فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 443

ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان، ولا ريب أن مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة نهاية تنتهى إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءَه، وكلما ازداد معرفة ازداد شوقًا، فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال في مزيد من الشوق ما دام في مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة؟ هذا من المحال البين.

بل من عرف الله اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف لا نهاية له. هذا مع الشوق الناشيء عن طلب اللقاءِ والرؤية والمعرفة العيانية، فإذا كان القلب حاضرًا عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقًا إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم.

فظهر أن قوله:"وإن الشوق علة عظيمة في طريق الخواص"كلام باطل على كل تقدير، وإن الشوق بالحقيقة إنما هو شوق الخواص العارفين بالله، والعبد إذا كان له مع الله حال أو مقام وكشف له عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه بالضرورة، ولم يكن شوقه علة له ونقصًا في حاله بل زيادة وكمالًا، ويكون ترك الشوق هو العلة.

وقد تقدم أن لا غاية للمعرفة تنتهى إليها فيبطل الشوق بنهايتها، بل لا يزال العارف في مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان.

فصل

وأما المسألة [الثالثة] وهى: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟ فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب، لأن تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك، وقالت طائفة أُخرى: ليس كذلك بل الشوق يزيد بالوصول واللقاء ويتضاعف بالدنوّ، ولهذا قال القائل:

وأعظم ما يكون الشوق يومًا ... إذ دنت الديار من الديار

ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه، [وكما] أن الحب لا يزول باللقاءِ فهكذا الشوق الذى لا يفارقه.

قالوا: ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التى هى من آثار المحبة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزوال، والقولان حق.

وفصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت