يطلبها مع فقدها لفقره إِليها. وأَيضًا من أَقسام الفراغ إِسكات اللسان عنها ذمًا ومدحًا لأَن من اهتم بأَمر وكان له في قلبه موقع اشتغل اللسان بما فاض على القلب من أَمره مدحًا أَو ذمًا، فإنه إن حصلت له مدحها، وإِن فاتته ذمها. ومدحها وذمها علامة موضعها من القلب وخطرها فحيث اشتغل اللسان بذمها كان بذلك لخطرها في القلب، لأَن الشيء إِنما يذم على قدر الاهتمام به، والاعتناءُ شفاءُ الغيظ منه بالذم. وكذلك تعظيم الزهد فيها إِنما هو على قدر خطرها في القلب، إِذ لولا خطرها وقدرها لما صار للزهد فيها خطر، وكذلك مدحها دليل على خطرها وموقعها من قلبه، فإِن من أَحب شيئًا أَكثر من ذكره، وصاحب هذه الدرجة لا يضبطها مع وجودها ولا يطلبها مع عدمها ولا يفيض من قلبه على لسانه مدح لها يدل على محبتها، ولا يفيض من القلب على اللسان ذم يدل على موقعها وخطرها، فإِن الشيء إِذا صغر أَعرض القلب عنه مدحًا أَو ذمًا، وكذلك صاحب هذه الدرجة سالم عن النظر إلى تركها وهو الذى تقدم من ذكر خطر الزهد فيها، لأَن نظر العبد إِلى كونه تاركًا لها زاهدًا فيها تتشرف نفسه بالترك [وتتلذذ به دليل على شغله بها ولو على وجه الترك] ، وذلك من خطرها وقدرها. ولو صغرت في القلب لصغر تركها والزهد فيها لو اهتم القلب بمهم من المهمات المطلوبة التى هى مذاقات أَهل القلوب والأَرواح لذهل عن النظر إِلى نفسه والترك بالزهد. فصاحب هذه الدرجة معافى من هذه الأَمراض كلها: من مرض الضبط، والطلب، والذم، والمدح، والترك. فهى بأَسرها، وإِن كان بعضها ممدوحًا في العلم مقصودًا يستحق المتحقق به الثواب والمدح، لكنها آثار وأَشكال مشعرة بأَن صاحبها لم يذق حال الخلو والتجريد الباطن، فضلًا عن أَن يتحقق من الحقائق المتوقعة المتنافس فيها، فصاحب هذه الدرجة متوسط بين درجتى الداخل بكليته في الدنيا قد ركن إِليها واطمأَن إِليها واتخذها وطنًا وجعلها له سكنًا، وبين من نفضها بالكلية من قلبه ولسانه، وتخلص من قيودها ورعونتها وآثارها، وارتقى إِلى ما يسر القلب ويحييه ويفرحه ويبهجه من جذبات العزة فهو في البرزخ كالحامل المقرب ينتظر ولادة الروح والقلب صباحًا ومساءً، فإِن من لم تولد روحه وقلبه ويخرج من مشيمة نفسه ويتخلص من ظلمات طبعه وهواه وإِرادته فهو كالجنين في بطن أُمه الذى لم ير الدنيا وما فيها. فهكذا هذا الذى بعد في مشيمة النفس، والظلمات الثلاث هى: ظلمة النفس، وظلمة