الترجيح:
اختلف العلماء المعاصرون في ترجيح مذهب معين - في حكم تولية المرأة القضاء - بين مؤيد ومعارض، حيث جوز بعضهم توليتها القضاء مطلقًا، من حيث النظر إليها ذاتيًّا؛ إذ إن بعض النساء لهن القدرة على القضاء، أو حتى على إدارة شؤون البلاد، أكثر من الرجال، ولتطور إدراك المرأة في العصر الحديث عنه في سالف العصور، فلماذا نمنع مثل هؤلاء النسوة مِن تولي مثل هذا المنصب؟
وممن ذهب إلى هذا القول الدكتور/ عبدالمعطي بيومي، عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر [1] .
كما ذهب بعض الكتَّاب المحدَثين إلى: أنه يصح تولية المرأة في القضايا التي يكون فيها طرفا الخصومة من النساء، بشرط أن يكون ذلك في غير مسائل الحدود والقصاص، ووجهة نظره في هذا أن القضاء هو إظهار حكم الشرع في قضية من القضايا، لكنه يخالف الفتوى بأن القضاء فيه إلزام، ولكن هذا الإلزام بعد حكم القاضي إنما جاء من الشرع، لا من القاضي، وواسطة التنفيذ هنا هو الحاكم، فأشبه الفتوى.
وممن ذهب إلى هذا الترجيح الدكتور/ محمد رأفت عثمان [2] .
غير أن مُعظم الباحثين والعلماء المعاصرين ذهبوا إلى ترجيح مذهب الجمهور، القائل بمنع تولية المرأة منصب القضاء مطلقًا؛ وذلك لأسباب عديدة ذكرنا أكثرها سابقًا، وناقشْنا أدلة المُجيزين بما يكفي لردها، ونجمل ذلك فيما يلي:
السبب الأول: أنَّ معظم أدلة المخالفين مبنيَّة على القياس، والقياس هنا لا يقوى على مواجهة النصوص من الكتاب والسنة التي استدل بها الجمهور؛ لأنه لا قياس في معرض النص، وخاصة إذا لم توجد ضرورة تدعو إلى ترك هذه الأدلة والخروج عليها [3] .
السبب الثاني: أن شهادة المرأة فيها الكثير من القيود، حيث إنها لا تُقبَل شهادتها في القصاص والحدود، وإنما تقبل شهادتها فيما لا يطلع عليه إلا النساء للضرورة، وأيضًا لا تقبل
(1) في محاضرة له ألقاها في مدرج جامعة القاهرة سنة 1979.
(2) في كتابه"النظام القضائي في الفقه الإسلامي"، ص 150.
(3) ينظر:"نظام القضاء الإسلامي"، د. إسماعيل البدوي، ص 208، الفقرة 198.