فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 175

أما قولُه صلى الله عليه وسلم:"دعوةُ أبي إبراهيم"، فقد عنى به قولَه تعالى - حاكيًا عن إبراهيمَ وإسماعيلَ وهما يبنيان الكعبة -: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 129] .

وقوله:"وبشارة عيسى"، وفي بعض الروايات:"وبشرى أخي عيسى"، فقد عنى به قولَ الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: 6] .

ولقد حوت الكتب السابقة من النصوص التي تبشر برسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه وصفته وصفة أتباعه، غير أن هذه النصوص أصابها التحريف والبتر مثلما أصاب بقية الكتب، إلا إن أهل الكتاب كان لهم عناية خاصة بتحريف النصوص المبشرة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثير ما لجأ أهل الكتاب إلى إخفاء هذه النصوص أو تفسيرها بشكل محرف حتى لا تتفق مع صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته عن"سعيد بن المسيب قال: قال العباس لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ فقال كعب: إن أبي كتب لي كتابا من التوراة ودفعه إلي وقال: اعمل بهذا، وختم على سائر كتبه وأخذ علي بحق الوالد على ولده أن لا أفض الخاتم، فلما كان الآن ورأيت الإسلام يظهر ولم أر بأسا قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علما كتمك فلو قرأته، ففضضت الخاتم فقرأته فوجدت فيه صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلما" [1] .

ولقد اهتم المسلمون الأوائل رضي الله عنهم بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) ، وَحِرْزًا [2] لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ [3] لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ [4] اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا [5] .

(1) 1 - طبقات ابن سعد 7/ 445 طبعة دار صادر بتحقيق إحسان عباس.

(2) 2 - حرزا أي حصنا، والأميين هم العرب.

(3) 3 - أي على الله لقناعته باليسير، والصبر على ما كان يكره.

(4) 4 - يميته.

(5) 5 - صحيح البخاري كتاب البيوع باب كراهية السخب في السوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت