للأدباء مسابقات في ميادين شتى يطلقون فيها أفراسهم ويفجِّرون فيها قرائحهم . قصد إطالة نفس الأدب في كل جهة ولإيجاد المتعة للنفس الأدبية أينما كانت متوجهة فلذلك كانت لهم الموائد الحافلة والمطاعم المتنوعة حلبات أنضوا في أوصافها المتنوعة قوافي، وأرسلوا فيها عيون الخيالات الشتى فمن قرأ كتب الأدب للمتقدمين يجد في"اليتيمة"للثعالبي وفي"مروج الذهب"للمسعودي وفي غيرها قطعا أو قصائد كبيرة في وصف أنواع من المأكولات أو المشروبات . فذلك هو ما حدا بي الى وصف العصيدة بهذه القصيدة ، لعله يكون لها ذكر بين ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خصوصا إن كانت من الذرة البيضاء الغريقة في الزبدة المصفاة .
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله الذي فنن لنا العلوم فجعلها طرائق قددا. ووضع علم الأدب على منصة لن يتزحزح عنها أبدا. والصلاة والسلام على الذي قال:"إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا". وعلى آله الذين كان كل واحد منهم في حفظ الأشعار العربية بحرا. وعلى أزواجه خصوصا منهن عائشة التي كانت فيما رواه عروة بن الزبير أكثر الناس استحضارا للقوافي وعلى أصحابه الذين كان من عادتهم إن ملوا من مدارسة السنة والقرآن أن يميلوا من مدارسة أشعار العرب إلى المنهل الصافي.
أما بعد ، فإن للأدب روحه وسيرته، وإن للأدباء أقوالا قد يروحون بها على أنفسهم أحيانا من غير إخلال بشريعة المروءة ولا هتك لسجف الوقار. ونعوذ بالله ممن لم يرم في الأدب وأريحيته بسهم ولا مالت له إلى منازعه عين. فيتجهم حيث يذوب الأدباء أريحية ،ويعبس ويبسر في المقام الذي يقطرون فيه بشاشة، تخلقا بأخلاق الأجلاف. وانتباذا عن طريقة الأدباء من أفاضل الأسلاف. وميلا إلى النسك الأعجمي. ونعوذ بالله من قوم خلقوا من الكثافة فلا تجد روح الأدب إليهم متسربا .