الوحداني والاحتباس في بيداء قيد التجريد وهذا فقر الصوفية هذه الدرجة فوق الدرجتين السابقتين عند أرباب السلوك وهي الغاية التي شمروا إليها وحاموا حولها فإن الفقر الأول فقر عن الأعراض الدنيوية والفقر الثاني فقر عن رؤية المقامات والأحوال وهذا الفقر الثالث فقر عن ملاحظة الموجود الساتر للعبد عن مشاهدة الوجود فيبقى الوجود الحادث في قبضة الحق سبحانه كالهباء المنثور في الهواء يتقلب بتقليبه إياه ويسير في شاهد العبد كما هو في الخارج فتمحو رؤية التوحيد من العبد شواهد استبداده واستقلاله بأمر من الأمور ولو في النفس واللمحة والطرفة والهمة والخاطر والوسوسة إلا بإرادة المريد الحق سبحانه وتدبيره وتقديره ومشيئته فيبقى العبد كالكرة الملقاة بين صولجانات القضاء والقدر تقلبها كيف شاءت بصحة شهادة قيومية من له الخلق والأمر وتفرده بذلك دون ما سواه وهذا الأمر لا يدرك بمجرد العلم ولا يعرفه إلا من تحقق به أو لاح له منه بارق وربما ذهل صاحب هذا المشهد عن الشعور بوجوده لغلبة شهود وجود القيوم عليه فهناك يصح من مثل هذا العبد الاضطرار إلى الحي القيوم وشهد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه من جهة كونه ربا ومن وجهة كونه إلها معبودا لا غنى له عنه كما لا وجود له بغيره فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم بل هو قطب تلك الرحى وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما معرفة حقيقة الربوبية والإلهية ومعرفة حقيقة النفس والعبودية فهنالك تتم له معرفة هذا الفقر فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية اتصف بهذا الفقر حالا فما أغناه حينئذ من فقير وما أعزه من ذليل وما أقواه من ضعيف وما آنسه من وحيد فهو الغني بلا مال القوي بلا سلطان العزيز بلا عشيرة المكفي بلا عتاد قد قرت عينه بالله فافتقر إليه الأغنياء والملوك