إذا رفع حكمًا شرعيًّا بخطاب شرعي متراخٍ عنه كما سيأتي نقول: هذا يعتبر نسخًا مثل ماذا؟ الصيام كان في أول الأمر مخيرًا المكلف بين الصيام والبدل عنه بالإطعام ثم نزل قوله تعالى: { (( (( شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] نقول: جواز الفطر أولًا مع البدل وهو الإطعام هذا منسوخ لأنه ثبت بحكم شرعي وذكرنا أنه يصح الاستدلال فيه بالبراءة الأصلية في عدم المؤاخذة يعني: لا يؤاخذ بما فعله قبل نزول الحكم وذكرناه في الدرس السابق.
هنا قال: بل هي حكم عقلي. على قول المعتزلة لأن المباح عندهم ما انتفى الحرج عن فعله وتركه ما انتفى يعني ارتفع الحرج عن فعله وتركه وذلك ثابت قبل ورود الشرع ومستمر بعده، هنا يأتي الإشكال ثابت قبل ورود الشرع هذا لا إشكال فيه لكنه مستمر بعد الشرع نقول: لا الشرع بعد تمام الأحكام الشرعية وخاصة بعد انقطاع الوحي نقول: ما دل الشرع إما أن يدل على وجوب الشيء أو ندبيته أو حرميته أو كراهته فإن لم يرد ما يدل على واحد من هذه الأمور الأربعة فالحكم أنه مباح وهو حكم شرعي كما سيأتي في مسألة الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع ومستمر بعده فلا يكون حكمًا شرعيًّا ومعنى إباحة الشيء تركه على ما كان عليه قبل الشرع ولم يتغير حكمه والصواب أن ما كان قبل ورود الشرع قد تغير حكمه من البراءة الأصلية إلى الإباحة الشرعية البراءة الأصلية لا وجود لها الآن بعد تمام الشرع انتهى وإنما هو أمر قبل ورود الشرع استمر إلى مثلًا الربا كان مباحًا إلى أن نزل أو نزلت آيات تحريم الربا نقول: مدة بقاء إباحة الربا إلى نزول آيات التحريم هذا هو محل النزاع أما استمراره إلى ما بعد انقطاع الوحي فهذا لا يقال به لا يقال بأن البراءة الأصلية أو البراءة الأصلية بمعنى العقلية إباحة الشيء عقلًا أنها مستمرة بعد تمام الشرع وإنما إذا قيل: الأصل في المعاملات الحل والإباحة. الإباحة هنا شرعًا وليست عقلا إذا قيل: الأصل في الأشياء الإباحة. الآن بعد ورود الشرع نقول: الأصل في الأشياء الإباحة ولكنها إباحة شرعية ولا وجود للإباحة العقلية. وقال أهل السنة: الإباحة هي حكم شرعي وهي خطاب الله بتخيير المكلف بين الفعل وبين الترك مطلقًا. ولذلك بعضهم يستدل بحديث «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان» . إذن ما سكت عنه فهو عفو ما أراد الله جل وعلا تحريمه حرمه، وما أراد ندبيته ندب الناس إليه، وما أراد تحريمه حرمه، وما أراد كراهته كرِهه لهم، وما سكت عنه إذن هو مباح على أصل الشرع فهو متوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام.
المسألة الخامسة: في صيغ المباح إذا عرفنا أن الإباحة حكم شرعي كيف نستنبطها من الشرع؟ لها صيغ: