فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 3931

في كتابه حكاية عن كتاب سليمان عليه السلام أنها كانت في أوله. ثم أثبتها الصحابة في المصحف خطًّا في أوّل كل سورة سوى براءة، فاختلف العلماء هل كان ذلك لأنها أنزلت حيث كتبت، أو فعل ذلك للتبرك كما في غيره، ولم يكتف بها في أول الفاتحة، بل أعطيت كل سورة حكم الاستقلال إرشادا لمن أراد افتتاح أيّ سورة منها إلى البسملة في أولها، ولما فقد هذا المعنى حين التلاوة بوصل السورة اختلف القراء فيه: فمنهم من اتبع المصحف فبسمل مستمرا على ذلك، إذ القراءة في اتباع الرسم شأن يُخَالَفُ لأجله قياس اللغة، على ما قد عرف في علم القراءة، فما الظن بهذا؟ وقد كان تقرر عندهم أن المصحف لم تكتبه الصحابة إلاّ ليرجع إليه فيما كانوا اختلفوا فيه، ومنهم من فهم المعنى فلم يبسمل إلاّ في أوّل سورة يبتدئ بها [1] ، وقد صحّ أن النبي صلى الله عليه وسلّم لما أنزلت الكوثر وتلاها على الناس بسمل في أوّلها [2] ، وكذا لما قرأ سورة حم السجدة على عتبة بن ربيعة [3] ، ولما تلا سورة المجادلة على امرأة [4] أوس بن الصامت [5] ، ولما قرأ سورة الروم على المشركين [6] ، ولإيلاف قريش -أخرج البيهقي حديثهما في"الخلافيات" [7] - ولما قرأ سورة الحجر أخرجه ابن أبي هاشم [8] بسنده [9] .

(1) قال أبو شامة في إبراز المعاني من حرز الأماني 1/ 227 في شرح بيت:

وبسمل بين السورتين بسنة ... رجال نموها درية وتحملا

لمبسملون من القراء هم الذين رمز لهم في هذا البيت من قوله: بسنة، رجال، نموها، درية [وهم قالون والكسائي، وعاصم، وابن كثير] وعلم من ذلك أن الباقين لا يبسملون، لأن هذا من قبيل الإثبات والحذف.

(2) رواه مسلم 1/ 300 ح 54 وأبو داود 1/ 507 ح 780 والنسائي 2/ 134 ح 904 من حديث أنس.

(3) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه 14/ 295 وعنه عبد بن حميد في مسنده (المنتخب 3/ 62) وأبو يعلى في مسنده 3/ 349 من طريق علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال. فذكره.

ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة 1/ 299 من طريق منجاب بن الحارث، عن علي بن مسهر، ورواه البيهقي في دلائل النبوة 2/ 202 وابن عساكر في تاريخ دمشق 38/ 242 من طريق يحيى بن معين، عن محمد بن فضيل، عن الأجلح، ورواه الحاكم في المستدرك 2/ 253 من طريق جعفر بن العون، عن الأجلح. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 6/ 17 فيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق شيعي. التقريب 120 قلت: الحديث حسن إذن.

(4) هي: خولة بنت ثعلبة، ويقال: خويلة، وخولة أكثر، وقيل: خولة بنت حكيم، وقيل: خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقيل: جميلة، وقيل: بل هي خولة بنت دليج، ولا يثبت شيء من ذلك، والله أعلم، والذي قدمنا أثبت وأصح إن شاء الله. الاستيعاب 4/ 1830 والإصابة 7/ 618.

(5) هو أوس بن الصامت بن قيس الأنصاري، أخو عبادة بن الصامت، شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي ظاهر من امرأته فوطئها قبل أن يكفر، مات في أيام عثمان، وله خمس وثمانون سنة. الاستيعاب 1/ 118 والإصابة 1/ 156. وقصة ظهاره من امرأته رواها أحمد 45/ 300 وأبو داود 3/ 83 ح 2209 وابن حبان (الإحسان 10/ 107) والطبري في تفسير الطبري 28/ 5 من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة. وليس فيها البسملة، ورواها ابن أبي حاتم -وفيها البسملة- في تفسير القرآن العظيم (تفسير القرآن العظيم لابن كثير 8/ 38) والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 385 عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية مرسلًا. وزاد السيوطي في الدر المنثور 7/ 77 نسبته إلى عبد بن حميد -ولم أرها في المسند المنتخب- وابن مردويه.

(6) رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد 1/ 404 ومن طريقه البيهقي في الخلافيات ل 44 وأبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة 1/ 291 من طريق محمد بن يحيى، عن سريج بن النعمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم مرفوعًا. وفيه البسملة.

ورواه البخاري في كتاب التاريخ الكبير 8/ 139 من طريق إسماعيل بن أبي أويس، وأبو الحسن بن قانع في معجم الصحابة 3/ 172 والطحاوي في شرح مشكل الآثار 7/ 442 من طريق محمد بن سليمان لوين، والطبراني في المعجم الأوسط 7/ 200 من طريق ابن جريج، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة 1/ 143 ومن طريقه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات 1/ 585 وفي الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد 10/ 108 من طريق أبي معمر الهذلي، عن سريج بن النعمان، وأبو نعيم في معرفة الصحابة 5/ 2704 من طريق محمد بن العباس المؤدب، عن سريج بن النعمان كلهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه به، وليس في هذه الطرق البسملة، وهي المحفوظة.

(7) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 536 وعنه البيهقي في الخلافيات ل 44 من طريق يعقوب بن محمد الزهري والبسملة في روايته والبخاري في التاريخ الكبير 1/ 321 والطبراني في المعجم الكبير 24/ 409 وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال 1/ 260 من طريق أبي مصعب الزهري، كلاهما (يعقوب بن محمد، وأبو مصعب الزهري) عن إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: يعقوب ضعيف، وإبراهيم صاحب مناكير، هذا أنكرها. تلخيص المستدرك.

وخالفه سليمان بن بلال فروى البخاري في التاريخ الكبير من طريق سليمان بن بلال، عن عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن ابن جعدة المخزومي، عن ابن شهاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه. قال أبو عبد الله: هذا بإرساله أشبه.

قال الحافظ العراقي في محجة القرب إلى محبة العرب 233: هذا حديث حسن، ورجاله كلهم ثقات معروفون إلا عمرو بن جعدة بن هبيرة فلم أجد فيه تعديلًا ولا جرحًا، وهو ابن ابن أخت علي بن أبي طالب، وهو أخو يحيى بن جعدة بن هبيرة أحد الثقات.

وهنا وقفات:

الأولى: إن رواية البسملة في الحديث ضعيفة، تفرد بها يعقوب بن محمد الزهري، قال الحافظ ابن حجر عنه: صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء. التقريب 1090.

الثانية: إن إبراهيم بن محمد اختلف فيه، فقال عنه ابن عدي في الكامل: مدني، روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير، وقال أيضًا: وأحاديثه صالحة محتملة، ولعله أتي ممن قد روى عنه. وقال عنه الذهبي: ذو مناكير. الميزان 1/ 56 وسبق قوله فيه في تلخيص المستدرك. ثم إنه خالف سليمان بن بلال الثقة، فروايته حينئذٍ منكرة، ورواية سليمان معروفة، ولهذا رجح البخاري رواية سليمان فقال: هذا بإرساله أشبه.

الثالثة: قول الحافظ العراقي: هذا حديث حسن ورجاله كلهم ثقات معروفون. فيه نظر يعرف مما سبق، لكن يشهد لمرسل ابن شهاب هذا حديث الزبير الذي رواه الطبراني في المعجم الأوسط 9/ 76 من طريق عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير نحوه. قال الحافظ العراقي فيه: هذا حديث يصلح أن يخرج للاعتبار والاستشهاد، فإن عبد الله بن مصعب بن ثابت ذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن معين.

قلت: وخلاصة القول أن رواية البسملة في حديث أم هانئ ضعيفة، وباقي الحديث حسن لغيره. (نواهد الأبكار وشوارد الأفكار: 1/ 56) .

(8) هو عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم أبو طاهر البغدادي المقرئ، انتهى إليه الحذق بأداء القرآن، قرأ بالروايات على ابن مجاهد، له كتاب البيان، وكتاب الفصل بين أبي عمرو والكسائي، ورسالة في الجهر بالبسملة، توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. معرفة القراء الكبار 2/ 603 وغاية النهاية 1/ 475 وإيضاح المكنون 5/ 562.

(9) رواه الطبري في تفسير الطبري 14/ 2 من طريق علي بن سعيد بن مسروق الكندي، وأبو بكر ابن أبي عاصم في السنة 1/ 582 والطبراني في المعجم الكبير (تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 525) والحاكم في المستدرك 2/ 242 وعنه البيهقي في كتاب البعث والنشور القسم الثاني 1/ 207 من طريق أبي الشعثاء علي بن الحسن كلاهما عن خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى مرفوعًا، وليس فيه البسملة قال الحافظ ابن كثير: ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.

قال الهيثمي: وفيه خالد بن نافع الأشعري، قال أبو داود: متروك. مجمع الزوائد 7/ 131.

قال الذهبي: وهذا تجاوز في الحد، فإن الرجل قد حدث عنه أحمد بن حنبل، ومسدد، فلا يستحق الترك، ميزان الاعتدال 1/ 644.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت