فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 6827

إن المتذوّق لأي شعر لا يرى البلاغة إلا في شعر لغته لأن ملكته اللغوية تربَّت على تلك اللغة ومحاسنها فليس من الممكن أن يستعذب سواها (1) .

وهذا رأي صحيح بل لا يحتمل النقاش، فإدراك البلاغة في لغة أو لهجة ما لا يكون إلا بعد التمكن من ناصية تلك اللغة وأسرارها.

ولعلَّ النقطة التي تحتاج إلى تعقيب هنا - وقد لا يلتفت إليها بعض الناس - هي ظنهم أن بلاغة القول لا تكمن إلا في فصاحته، ويريدون هنا اللغة العربية الفصحى متناسين أي اعتبار آخر.

لذا ينبغي التأكيد على أن البلاغة هي مازالت عند تعريفها الأصيل والتزامها بهذا التعريف قلبًا وقالبًا، وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وقد يكون حال السامع أكثر أهميَّة من حال المتكلم حتى يحكم على القول بالبلاغة أو عدمها. يقول الزَّيات:

"…… فالبلاغة إذًا توجّه إلى العقل أو إلى القلب إو إليهما معًا لما تقتضيه حالات المخاطبين من مقاومة الجهل والرأي والهوى منفردة أو مجتمعة، فإذا كان غرض البليغ نفي جهالة أو توضيح فكرة أو تقرير رأي أجزأه في وفاء غرضه الصّحة والوضوح والمناسبة، فإذا أراد التعليم أو الإقناع وكان قوام الموضوع طائفة من الفكر والأدلة وجب عليه أن ينسقها ويسلسلها على مقتضى الأصول المقرَّرة في المنهج العلمي الحديث" (2)

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي اهتم بخطاب العقل والقلب معًا، ولا يخفى على علماء العربية وجهابذة اللغة مدى بلاغته ومراعاته لمقتضى الأحوال، وكيف يخفى عليهم ذلك وهو معينهم الأول ورافدهم الأصيل؟!

(1) نفسه، ص614 (بتصرُّف) ، وافق بن خلدون في نفس الرأي د. إبراهيم أنيس، في نصه المذكور من قبل، فضلًا انظر ص7 من هذا البحث.

(2) دفاع عن البلاغة، أحمد حسن الزيات، ص 23، مطبعة النهضة، سنة 1967م، مطبعة الرسالة، سنة 1945م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت