يحمل هكذا بذرة الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، تمامًا كما هو يسلم الفرد إلى واقعه المحسوس. إننا أمام الامارات الأولى لسقوط الميتافيزيقيا من حياة المجتمع المدني. أليس مثيرًا جدًا أن نرى عند هذا الذي كرّسته الكنيسة الكاثوليكية فيما بعد أبًا من آبائها الارهاصات غير المباشرة للحركة العقلية التي قادت إلى الثورة الفرنسية؟!
أمّا في القرن التالي، الرابع عشر، حيث بدأت تختمر الخمائر الأولى للنهضة الأوروبية، فقد اهتزت البنية العقلية التقليدية تحت ضربات المذهب الاسمي nominalisme الذي شكّك في الحقائق المجرّدة واستبدل بها الحقائق المستمدة من الطبيعة الحسيّة. وظهرت حينئذ الدعوة إلى الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية (1) ، وهو الفصل الذي سوف تضع الثورة الفرنسية بعد أربعة قرون أساسه الايديولوجي في إعلان 1789 م. ونستطيع في ضوء هذه المعطيات أن ندرك كنه الاتجاه الإنساني Humanisme الذي أفرزه هذا التطور العقلي على مدى قرون والذي هو روح عصر النهضة الممتد بين أواخر الربع الأول من القرن الرابع عشر وأواسط القرن السادس عشر: إنه الاتجاه إلى تكريس الوعي الفردي تكريسًا يعطيه الصفة المطلقة ويوحِّده مع الطبيعة الحسيّة؛ إنه الاتجاه إلى جعل الأنا الفردية إليهًا أرضيًا يرى الحقيقة من خلال واقعه المادي المحض؛ إنه الاتجاه إلى إنزال (المطلق) من علوِّه الميتافيزيقي وجعله في هذه الإنسانية التي وصفها الفيلسوف الألماني فيورباخ Feuerbach بأنها الإنسانية التي تتغذى من نفسها، من لحمها ودمها (2) . هذا الاتجاه الذي يخرج الفرد من حالة الخضوع للمبدأ الميتافيزيقي وللسلطة الروحية التي تحكم باسمه ويدفعه إلى حالة الحرية المطلقة حيث يتحد مع العالم المادي يقود طبيعيًا إلى نتيجة حتمية هي خضوع الفرد للدولة بوصفها واقعًا ماديًا ضخمًا ومسيطرًا؛ وهو خضوع طوعي يجعله والدولة شيئًا واحدًا ويخلع على الدولة صفة