الصفحة 20 من 131

الفرع الثالث

لقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) )قالوا:- ولا أنت يا رسول الله, قال: (( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) )فهنا الإخبار أن العمل لا يدخل الجنة بينما نجد في آيات كثيرة إن الله تعالى إذا ذكر نعيم الجنة يقول بعدها: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون} [1] وكقوله تعالى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [2] وكقوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [3] فكيف مرة ينفي تأثير العمل لدخول الجنة ومرة يثبته؟ أي كيف يقول: (( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) )ومرة يقول:- إنما نلتم هذا النعيم بما كنتم تعملون؟ أليس هذا من الاختلاف؟

والجواب:- بالطبع لا, وإنما يثور هذا الإشكال في ذهن من لم يعرف استعمالات حرف الباء في لغة العرب وقد ذكرت لك سابقًا إن القرآن نزل بلسانٍ عربي مبين, كما أنه عربي في ألفاظه فكذلك هو عربي في أساليبه واستعمالاته ووجه الجمع أن يقال:- إن الباء لها في اللغة عدة استعمالات, فتأتي ويراد بها العوض, أي الباء العوضية, أي أن هذا الشيء عوض لهذا الشيء كقولك:- بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم, فالباء في قولك (بعشرة) هي باء العوض, أي إن هذه العشرة الدراهم هي عوض لهذا الثوب, وتأتي ويراد بها السببية كقوله تعالى: {ذَالِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} [4] فالباء في قوله (بما) في الموضعين يراد بها السبب, أي بسبب ذلك أصابكم ما أصابكم, إذا علمت هذا فاعلم

(1) سورة السجدة آية (17)

(2) سورة النحل آية (32)

(3) سورة الطور آية (19)

(4) سورة غافر آية (75)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت