الصفحة 7 من 47

والأصول" [1] يزخز برهانه - وخاصة الجزء الثاني منه - بالكلام على محاسن الشريعة ومراشدها وما تنطوي عليه أحكامها من حكم، كما تكثر فيه الإشارات إلى ما كان من مسلك الصحابة في توخي مناسبات الأحكام وإن كان ذلك بظن غالب لا يقين قاطع، سيرًا منهم في ذلك على نهج الشريعة وسياستها في استصلاح الخلق. وعلى المنوال ذاته نسج الإمام عز الدين بن عبد السلام في قواعده حيث قرر أن"الاعتماد في جلب مصالح الدارين ودرء مفاسدهما يُبْنَى في الأغلب على ما يظهر في الظنون"، مؤكدًا"أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوزٌ في طباع العباد، نظرًا منهم من رب الأرباب". [2] بل إن الفقيه الشافعي الأشعري لا يتردد أن يقرر مقولة طالما شُنِّع بها على القائلين بها من المعتزلة، فيؤكد أن"معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل، وكذلك معظم الشرائع، إذ لا يخفى على عاقل - قبل ورود الشرع - أن تحصيل المصالح المحضة، ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وأن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وأن تقديم المصالح الراجحة إلى المفاسد المرجوحة محمود حسن، وأن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن." [3] "

ونحن إذا أمعنا النظر في خطابات القرآن الكريم أمرًا ونهيًا وتوجيهًا وإرشادًا، وإذا ما سبرنا الأحكام في مواردها وسياقاتها المختلفة تحصحص لدينا أن"العبرة في المشروعية وعدمها بما يتضمنه الفعلُ من الصلاح والفساد، ولا عبرة بصورته ومظهره"، [4] والأمر نفسه

(1) الجويني، إمام الخرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف: البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم الديب (المنصورة(مصر) : دار الوفاء، 1412/ 1992)، ج 2، ص 602 - 626. وقد صنف الجويني علل الأحكام على حسب ما ارتبط بها من مصالح شرعت الأحكام لأجل تحقيقها إلى خمسة أقسام اعتبرها هي الأصول التي قامت عليها الشريعة: الأول"ما يُعقلُ معناه وهو أصل، ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه مع تقرير غاية الإيالة الكلية والسياسة العامية"، والثاني"ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة"، والثالث"ما لا يتعلق بضرورة حاقة ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو نفي نقيض لها"، والرابع"ما لا يستند إلى حاجة ولا ضرورة، وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحًا ابتداء"، والخامس"ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلًا ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة".

(2) ابن عبد السلام، عز الدين عبد العزيز: القواعد الكبرى الموسوم بقواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق نزيه كمال حماد وغثمان جمعة ضميرية (دمشق: دار القلم، 1421/ 2000) ، ج 1، ص 6 و 9.

(3) المرجع نفسه، ص 7 - 8 (والتسويد من عندنا) .

(4) شلتوت، محمود: تفسير القرآن الكريم (القاهرة: دار الشروق، ط 12، 1424/ 2004) ، ص 428.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت