الصفحة 42 من 47

كما أن مراعاة الخلاف قد يكون لابد منه لاستقرار الأحكام الشرعية والحقوق والواجبات المترتِّبة عليها. ومما يؤيِّد هذا ما هو معلوم من عدم نقض حكم القاضي إذا لم يكن فيه خطأ ظاهر، كأن يخالف نصا من غير تأويل مقبول، أو يخالف إجماعا. وكذلك عدم نقض اجتهاد سابق باجتهاد لاحق، [1] إذا كان ذلك في الاجتهادات التي تم تنزيلها على الواقع وترتبت عليها حقوق وواجبات؛ لأن ذلك ضروري لاستقرار الأحكام، وعدم إهدار حقوق الناس. ويبيِّنه ما جاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما قضى في مسألة امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وأخوين شقيقين وأخوين لأم فقط، فأشرك عمر بين الإخوة جميعا في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا. فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم". [2] أما على المستوى النظري فإن للمجتهد أن يغيِّر اجتهاده إذا بدا له خطأ في الاجتهاد السابق، وعندها لا يُنسَب إليه الرأي القديم لرجوعه عنه، بل يكون مذهبه هو آخر اجتهاداته. ومثال ذلك الإمام الشافعي في القديم والجديد من فقه، حيث إن ما يصح أن يطلق عليه مذهب الشافعي هو ما استقر عليه أمره في الجديد. وأمَّا ما ذهب إليه بعض الشافعية من أخذ بالمذهب القديم في بعض المسائل، فليس بناء على أن ذلك هو مذهب الإمام الشافعي، وإنما بناء على ترجيحهم للرأي القديم على الجديد لاعتبارات رأوها مرجِّحة، ويكون هذا الاختيار للقديم هو مذهب أتباع الشافعي (الشافعية) ، لا مذهب الإمام الشافعي، لأن مذهبه هو ما استقرّ عليه رأيه."

وربما صلح التمثيل لهذا العنصر بمسألة غريبة أوردها ابن السبكي في طبقات الشافعية، حيث ذكر أن أبا سعيد الإصطخري لما عُيِّن قاضيا على سجستان"سار إليها ونظر في مناكحاتهم فأصاب معظمها مبنيًا على غير اعتبار الولي، فأنكرها غاية الإنكار، وأبطلها عن آخرها". [3] ولم يذكر المؤلف ما نتج عن هذا التصرف، ولكنه ليس هناك من شكّ في أن يكون قد أحدث اضطرابًا كبيرًا في حياة الناس وسبب شحناء عظيمة بينهم.

6.التوسُّط والاعتدال: من مقاصد الشرع العظيمة التي ينبغي مراعاتها عند تنزيل الأحكام التوسُّط والاعتدال. ويكون التوسُّط والاعتدال في امتثال الأحكام على المستوى

(1) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين (بيروت: دار الجيل، 1973 م) ج 1، ص 110 - 11؛ ابن قدامة، المغني، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ود. عبد الفتاح الحلو (القاهرة: هجر للطباعة والنشر، ط 2، 1992 م) ج 14، ص 36.

(2) قلعه جي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص 729.

(3) ابن السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، د. ت) ج 3، ص 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت