فمن حيث المنهج، نجد المنهج الاستقرائي، الذي عده الشاطبي أفضل منهج للبحث في المقاصد الشرعية، حاضرا بقوة في جميع أجزاء الكتاب، [1] وكذلك الأمر في البحث عن الكليات وتحديد العلاقة العضوية التكاملية بينها وبين الجزئيات.
ومن حيث المضمون، يظهر بجلاء الربط بين المقاصد الشرعية وجملة كبيرة من مسائل علم الأصول. ولم يكن الشيخ عبد الله دراز مجانبًا الصواب حين قرر أن هذا العلم بقي"فاقدًا قسمًا عظيمًا، هو شطر العلم الباحث عن أحد ركنيه"، أي علم أسرار الشريعة ومقاصدها. وإنه لمحق أيضا حين يقول بأن الإمام الشاطبي هو الذي هيأه الله تعالى"لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى، في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل". [2]
والاتجاه الثاني: هو إعادة صياغة علم أصول الفقه بشكل يستوعب كثيرا من مباحث المقاصد ويجعلها جزءا من نسيجه. فالناظر في علم أصول الفقه يدرك أنه وضع في أصله لبيان مناهج الاجتهاد وضوابطه، سواء في ذلك الاجتهاد القائم على تفسير النصوص أو على القياس. ولكن بعد ذلك تطور ليصبح بمثابة نظرية عامة للفقه الإسلامي؛ فلم يعد يقتصر على الحديث عن مناهج الاجتهاد ومصادر التشريع، بل تعدى ذلك إلى الحديث عن جميع العناصر ذات العلاقة بالتشريع، كما هو الحال في تقسيم الأقطاب الأربعة عند الغزالي: الأحكام (وتشمل: الحكم، والحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه) ، والأدلة الشرعية، ووجوه دلالة الأدلة، والمجتهد الذي يستنبط الأحكام من الأدلة ومعه الاجتهاد الذي هو عملية التعامل مع النص أو ما فيه معناه.
ومادام الأمر قد استقر على جعل علم أصول الفقه بهذا النظم، فإنه ينبغي البلوغ به مداه منهجا ومضمونا، حتى تصبح مباحثه ممثلة لنظرية متكاملة للتشريع الإسلامي، تبحث بعمق مصادر التشريع، ومقاصده، وفلسفته، ومناهج الاجتهاد فيه وضوابطه، وتطبيقه على واقع الحياة، والعلاقة بين الشارع والمشرَّع له. ولا شك أن تحقيق هذا الهدف يتعدى المباحث التقليدية لعلم الأصول ليشمل المقاصد وغيرها.
والاتجاه الثالث: هو تحقيق دعوة ابن عاشور بتأسيس علم جديد خاص بمقاصد الشريعة، وفصله عن علم أصول الفقه. ويطمح ابن عاشور إلى أن يحقق"علم مقاصد الشريعة"الذي يرنو إلى تأسيسه ثلاثة أمور: أحدها: أن تصبح قواعده"أدلة ضرورية، أو"
(1) انظر للتفصيل في مجالات استخدام الشاطبي للاستقراء في كتاب الموافقات: نعمان جغيم، طرق الكشف عن مقاصد الشارع (عمان: دار النفائس، 2002 م) ، ص 267 - 293.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 11 - 12.