تعذر الوصول ليقين الاستقبال في حق البعيد اكتفى منه الشارع بغلبة الظن وهو استقبال الجهة، وهذا من باب التخفيف مما يدل على أن غلبة الظن كافية في التعبد وغيره والله أعلم.
ومن الأدلة أيضًا: - حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذ امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرصوا و خرص النبي صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق، فقال لها: - أحصي ما يخرج منها ... فلما أتى وادي القرى قال للمرأة: - كم جاء حديقتكم؟ قالت: - عشرة أوسق خرص النبي صلى الله عليه وسلم"ومثله أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل، حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود، يأخذونه بذلك الخرص أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق"والخرص هو حرز ما على النخل من الطب تمرًا وهو مبني على غلبة الظن وقد اكتفى الشارع بذلك لأن اليقين القاطع في مثل هذه الأشياء مما يتعذر فقامت غلبة الظن مقامه فالخرص أبدًا لا يصل به الخارص إلى اليقين، بل إنه يصل به إلى غلبة الظن، فلما اكتفى الشارع بذلك علمنا أن غلبة الظن كافية في التعبد وفي غيره وهو المطلوب والله أعلم.
فهذه تسعة أدلة تفيدك صحة هذه القاعدة وليست هي من باب الحصر وإنما هي من باب ذكر البعض للاستدلال به على الكل وسيأتي في قيد الفروع إن شاء الله تعالى أدلة كثيرة هي بمثابة أدلة وفروع، فيستفاد منها في هذا وفي هذا، وخلاصة الكلام أن يقال: - أن غلبة الظن كافية في التعبد وغيره من العمل، ولا يطلب في كل مسألة بعينها أن يصل بها صاحبها إلى اليقين، لأن ذلك