ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون يبعثون عمالهم وسعاتهم، ليأخذوا الزكاة من أرباب الأموال، ليوزعوها على المستحقين، لا يتأخرون ولا يتباطؤون. كما بعث الرسول معاذ بن جبل إلى اليمن، وقال له:"أخبرهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم"فكان معاذ يأخذها من الأغنياء، ويردها على الفقراء، و (بيت المال) ليس إلا واسطة بين الأغنياء والفقراء، فهو مؤسسة تقوم بالوكالة عن أهل الاستحقاق للزكاة، ولا تملك هذه الأموال، ولهذا قالوا: لا زكاة على بيت المال، لأن الزكاة فرع عن الملك، وهو غير مالك، لأن المال الذي فيه لأهله، وورد عن الخلفاء الراشدين أنهم لم يكونوا يبقون في بيت المال شيئًا.
ومن هنا نرى أن استثمار أموال الزكاة يؤخر وصولها إليهم، ويحرمهم ثمرة الانتفاع بها في الحال، ويحوِّل مال الزكاة إلى (وقف) يحبس أصله، وتسبل ثمرته. وهذا لا يجوز يقينًا. لأننا إذا حصلنا (1000) دينار زكاة، فالواجب أن نوصلها للفقراء والمستحقين في الحال ألفًا كما أخذناها.
ولكن إذا استثمرناها خالفنا ذلك في أمرين:
الأول: أننا لا نعطي الفقير حقه في الحال، ولكن بعد أن نستثمر الألف، أي بعد سنة في الغالب.
والثاني: أننا بعد سنة لا نعطيه ألفًا، بل تعطيه مائة أو أقل من مائة، كما هو شأن الاستثمار الآن، أي نحو ستين أو خمسين.
وبهذا ظلمنا الفقراء والمساكين والمستحقين مرتين؛ مرة في تأخير الصرف، ومرة أخرى في تقليل المصروف إلى العشر أو أقل من العشر. وهذا كله لا يجوز.
كل ما يمكن أن نجوزه في هذه الحالة: ما أفتيت به للهيئة الخيرية الإسلامية العالمية في الكويت، ولعدد من الجمعيات الخيرية ولهيئات الإغاثة الإسلامية في عدد من الأقطار، الذين تجتمع عندهم مبالغ كبيرة تقدر بالملايين وعشرات الملايين، ولا يمكنهم أن يصرفوها في الحال، بل لا بد أن يمر عليها وقت عندهم حتى تصل إلى مستحقيها في البلدان المختلفة.
فهؤلاء أفتيتهم بجواز استثمار هذه المبالغ في معاملات قصيرة الأجل، على أن تكون -وإن لم تكن مضمونة- ليس فيها مخاطرة في العادة، مثل كثير من معاملات البنوك الإسلامية في الوقت الحاضر. على ألا تتجاوز مدة الاستثمار السنة بحال من الأحوال.
ويجب على المسؤولين عن الجمعيات الخيرية والهيئات الإغاثية ما استطاعوا: المبادرة إلى صرف ما تجمَّع لديهم من أموال الزكاة إلى أهلها، فما أكثر المحتاجين في عالمنا الإسلامي، من الجائعين الذين يحتاجون إلى الغذاء، والعرايا الذين يحتاجون إلى الكساء، والمرضى الذين يحتاجون إلى الدواء، والمشردين الذين يحتاجون