الصفحة 34 من 154

إن الفارق بيننا وبين من قبلنا: أن مجانينهم غير مكلفين، ومكلفونا؛ مجانين.

وأن الجنون في زمانهم يُفقد المكلف أهليته (أداء ووجوبًا) ، ولكنه في زماننا لا يفقد مكلفنا أهلية ولا ينقصها، بل ثبوتها وانتفاءها - في زماننا - سواء.

وأنه كانت لهم عقول يُذهبها؛ أن تخدش الكرامة فضلًا أن تداس، أو أن يمس الشرف فضلًا أن ينتهك، أو أن يُعتدى على الأرض فضلًا عن العرض ... فإذا ذهبت العقول فإلى ميادين تبدوا فيها مجنونة، وهي تقتحم المهالك اقتحامًا، وتطلب الموت مظانه، والحق أنها - وقد أفقدها الظلم حلمها وصوابها - لا تجد ضالتها إلا ثَمَّ.

وليس لنا عقول، وإلا فكيف نعايش كل ما حولنا من جنون وشذوذ؛ ولا نُجَنُّ؟!

وكانت تصرفات مجانينهم تقع كلها باطلة، وتصرفات مجانيننا تقع كلها معتبرة، إلا جرائمهم، فإنهم بها لا يؤاخذون.

يبيع مجانينهم مُدًا من بُرٍ يملكونه؛ فيبطل البيع، ويبيع مجانيننا وطنًا بأكمله لا يملكونه، فيُمضى العقد، ويصفق لهم الناس!!

يَحْجُر عقلاؤهم على مجانينهم، ويحجر مجانينُنا على عقلائنا (إيقافًا أو إبعادًا أو اعتقالًا .. ) إلى آخر صور القهر ومصادرة الحريات!!

يُعين على مجنونهم وصيٌ، ويعين مجانيننا على شعوبنا أوصياء!!

فقل لي بربك ..

أليس بعض هذا كافيًا لنُصاب جميعًا بالجنون؟ وإن جنوننا - عندئذ - لا يتجاوز نصفَ المعادلة لا غير، ونصفها الآخر: أن نعقل كما عقِلَ"رزام".. وإلا فنحن والطغاة سواء.

إنني أتصور أنه لا شفاء لنا إلا في مصحات نفسية وعقلية متخصصة، ولست أراها إلا في ميادين الشرف في فلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وجوجارات ... وسائر خنادقنا المصلية بنيران أعدائنا، بل ثم مصحاتٌ تقع على قيد خطوات منا، نراها جاثمة فوق خارطتنا الإسلامية والعربية طولًا وعرضًا، ولكن ثبط الأمة عن الرغبة في العلاج أمور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت