الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فممَّا دعاني لكتابة هذا ما شاهدته من مقابلة بعض الناس لغلو جماعة الدولة بغلو مثله
بل أحيانا بغلو شر منه، مُنبَطحٍ لطلبات الطواغيت، مُتناغم مع رغباتهم، أو مُنَفِّذ لأجنداتها.
وأنا هنا لست في صدد تسمية أناس وضرب أمثلة؛ ولكن المُتابِع يعرف أن الكتابة في هذا الباب والتَّنبيه عليه صارت حاجة مُلحَّة بعدما رأينا أن بعض الناس من شدة هجمة الغلاة عليه ونكايتهم به وقهره ترك كل الأعداء وتفرَّغ لملف الخوارج؛ ينبش التاريخ عليه، ويستدعي منه كلَّ ما يناسب هواه. وتعرَّى بعضهم من الإنصاف بعد أن فقد البوصلة من شدة عداوة أو بغي الغلاة عليه؛ فصار يُرجِّح المرجوح ويروّج للقول المظنون، بل ويُنْزِله في غير مظانّه، مودِّعًا الطريقة العلمية عند المنتسبين للعلم منهم، ومُفارقًا للنَّهج الأكاديمي عند من هم من أهله.
ورأينا من العوام والرِّعاع من اغترَّ بإطلاقات وفتاوى العلمانيين!، ومصطلحات الطُّغاة وفرحوا بها، كقول أحد الحكام:"لا يوجد فرق بين داعش ونظام الأسد!"؛ وهذا جهل وفقدان للبوصلة وتخبُّط ممَّن قَبِلَه منه واتِّباع للهوى.
ولا شك أن لعدوان الغلاة وإجرامهم في حقِّ مُخالفيهم دور في هذا الانحراف والخلل؛ حيث صاروا فتنة للناس. وإنْ كان طالب الحق ينبغي أن لا يضرَّه مَنْ خالفه، وأن لا يقول إلّا ما وافق الدليل ولا يفعل إلا ما يُرضي الله، لا أن يكون مَدفُوعًا للقول أو مُنفَعِلًا بأفعال وأقوال خصومه.
وكان الأَوْلى مع تجرُّئ الغلاة على دماء المسلمين عدم فتح هذا الملف، وإبقاء نصوص الوعيد على إطلاقها لتبقى رادعة لرِعَاعِهم عن تكفير المسلمين، طاردة طغاتهم عن دماء المعصومين، كما هي طريقة السلف في إجراء وإبقاء نصوص الوعيد على ظاهرها لتكون أدعى في الزجر؛ فإن معصية وَصَفَها اللهُ بالضَّلال أو وصفها رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالمُرُوق من الدين ليست كغيرها، وحِكمة الشَّارع أطلقت هذا لحكمة وعلم؛ منها عِلْمُه سبحانه أنَّ مِنَ المُنتَسِبين للقبلة من سيتقحَّمُ الدماء المعصومة مُستخِفًا بها، فإطلاق الوعيد وإبقاؤه على ظاهره أدعى للزجر.
ولذلك لما سُئل الإمام أحمد: هل الخوارج كفار؟