الصلاة. ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بالمطلق في موضعه و بالمقيد في موضعه، إذ لا صلة ولا ارتباط أصلًا بين موضعي النصين، وكان مقتضى الإطلاق في آية السرقة أن تقطع يد السارق كلها عملا بالإطلاق، ولكن السنة قيدت هذا الإطلاق، إذ وردت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع يد السارق من الرسغ، وهذه السنة مشهورة عند الحنفية فيصح بها تقييد مطلق الكتاب.
ثالثًا: أن يختلف الحكم ويتحد السبب. وفي هذه الحالة يبقى المطلق على إطلاقه ويعمل به في موضعه الذي ورد فيه. مثاله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]
وقوله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه} [المائدة:6] فالحكم: في النص الأول: وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيدة، والحكم في النص الثاني: مسح الأيدي التي وردت مطلقة، والسبب للحكمين متحد و هو إرادة الصلاة. ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل كل منهما في موضعه بموجب إطلاقه أو تقييده.
رابعًا: أن يكون حكم المطلق و المقيد واحدًا، و لكن سبب الحكم فيهما مختلف، ففي هذه الحالة يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه، و بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه، فلا يحمل المطلق على المقيد، و هذا عند الحنفية و الجعفرية، و عند
غيرهم كالشافعية: يحمل المطلق على المقيد، ومثاله: قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} [المجادلة:3] وفي كفارة القتل الخطأ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء:92] فلفظ (( رقبة ) )جاء في النص الأول مطلقًا، وفي الثاني مقيدًا.
وحجة أصحاب القول الثاني: هي أن الحكم ما دام متحدًا مع ورود اللفظ مطلقًا في نص، و مقيدًا في نص آخر، فينبغي حمل المطلق على المقيد لتساويهما في الحكم، دفعا للتعارض، و تحقيقًا للانسجام بين النصوص.
وحجة الحنفية: أن اختلاف السبب قد يكون هو الداعي إلى الاطلاق والتقييد، فيكون الإطلاق مقصودًا في موضعه، والتقييد مقصودًا في موضعه، ففي كفارة القتل الخطأ قيدت الرقبة بكونها مؤمنة تغليظًا على القاتل. وفي الظهار جعلت الكفارة رقبة مطلقة تخفيفًا عن المُظاهرِ، حرصًا على بقاء النكاح. و أيضًا، فإن حمل المطلق على المقيد إنما يكون لدفع التعارض بينهما عند عدم إمكان العمل بموجب كل منهما، ومع اختلاف السبب لا يتحقق التعارض ولا يتعذر العمل بكل منهما في موضعه الذي ورد فيه. والراجح هو قول الحنفية والجعفرية.
267 -أمثلة المطلق والمقيد في القوانين الوضعية:
أولًا: نصت الفقرة الثانية من المادة 59 من قانون الأحوال الشخصية العراقي على ما يأتي: (( تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى، ويصل الغلام إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم.
فلفظ"علم"مطلق، وبالتالي لا يحوز عند تطبيق هذه المادة اشتراط أي صفة للعلم، لأن هذه الكلمة وردت مطلقة، و المطلق يجرى على إطلاقه، و بالتالي فنفقة الولد تستمر و إن بلغ الحد الذي يكسب فيه أمثاله مادام طالب علم، سواء كان هذا العلم يتعلق بالطب أو باللغة أو بفقه الشريعة.
ثانيًا: نص قانون الخدمة المدنية العراقي رقم 24 لسنة 1960 في الفقرة الرابعة من المادة التاسعة عشرة على ما يأتي:
(( كل موظف مثبت اشترك في دورة تدريبية لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة، وأكملها بنجاح، يعطى قدمًا لمدة ستة أشهر لغرض الترفيع، وإذا كان قد حصل على شهادة اختصاص جامعية فيعطى قدمًا لمدة سنة لغرض الترفيع ) ).
في هذا النص ما يأتي:
أ - وردت كلمة"دورة"في المادة مقيدة بجملة قيود هي: أن تكون تدريبية، وأن لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة، وأن يكملها الموظف بنجاح. وعلى هذا لا يجوز إضافة أي قيد آخر على قيود الدورة، كأن يشترط لها أن تكون داخل أو خارج العراق، صباحية أو مسائية، لأن المقيد فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقًا.