شاهد خروج الجميع من تحت يد المنة وواردة من جهة مجرد الإنعام فالعادة في نظر هؤلاء خوارق للعادات فكيف يتشوف إلى خارقة ومن بين يديه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته مثلها مع أن ما لديه منها أتم في تحقيق العبودية كما مر في الشواهد وعدوا من ركن إليها مستدرجا من حيث كانت ابتلاء لا من جهة كونها آية أو نعمة
حكى القشيري عن أبي العباس الشرفي قال كنا مع أبي تراب النخشبي في طريق مكة فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابنا أنا عطشان فضرب برجله الأرض فإذا عين ماء زلال فقال الفتى أحب أن أشربه بقدح فضرب بيده إلى الأرض فناوله قدحا من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت فشرب وسقانا وما زال القدح معنا إلى مكة فقال لي أبو تراب يوما ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم الله بها عباده فقلت ما رأيت أحدا إلا وهو يؤمن بها فقال من لا يؤمن بها فقد كفر إنما سألتك من طريق الأحوال فقلت ما أعرف لهم قولا فيه فقال بل قد زعم أصحابك أنها خدع من الحق وليس الأمر كذلك إنما الخدع في حال السكون إليها فأما من لم يقترح ذلك ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين
وهذا كله يدلك على ما تقدم من كونها في حكم الرخصة لا في حكم العزيمة
فليتفطن لهذا المعنى فيها فإنه أصل ينبني عليه فيها مسائل منها أنها من جملة الأحوال العارضة للقوم والأحوال من حيث هي أحوال لا تطلب بالقصد ولا تعد من المقامات ولا هي معدودة في النهايات ولا هي دليل على أن صاحبها بالغ مبلغ التربية والهداية والإنتصاب للإفادة كما أن المغانم في الجهاد لا تعد من مقاصد الجهاد الأصلية ولا هي دليل على بلوغ النهاية والله أعلم
تم الجزء الأول