فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 643

وأما قولهم: إنه فرض سنة خمس أو ست، فقد اختلف الناس في ذلك اختلافًا مشهورًا؛ فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، فالله أعلم متى فرض، غير أنه يجب أن يعلم إما أنه فرض متأخرًا، أو فرض متقدمًا، وكان هناك مانع عام يمنع من فعله، وإلا لما أطبق المسلمون على تركه وتأخيره.

الجواب الثاني: أن الأشبه -والله أعلم- أنه إنما فرض متأخرًا، يدل على ذلك وجوه: أحدها: أن آية وجوب الحج التي أجمع المسلمون على دلالتها على وجوبه قوله: (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) ) [آل عمران:97] ، وقد قيل: إن هذه الآية إنما نزلت متأخرة سنة تسع أو عشر، ويدل على ذلك: أنها في سياق مخاطبة أهل الكتاب، وتقرير ملة إبراهيم، وتنزيهه من اليهودية والنصرانية.

الوجه الثاني: أن أكثر الأحاديث الصحيحة في دعائم الإسلام ليس فيها ذكر الحج؛ مثل حديث وفد عبد القيس، فقد أمرهم بالإيمان بالله وحده، وفسره لهم: أنه الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وأن يعطوا من المغنم الخمس [1] ، ومعلوم أنه لو كان الحج واجبًا لم يضمن لهم الجنة إلا به.

وكذلك الأعرابي الذي جاء من أهل نجد ثائر الرأس، الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه [2] ، إنما ذكر له النبي الصلاة، والزكاة، والصوم، وكذلك الذي أوصاه النبي بعمل يدخله الجنة أمره بالتوحيد، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان.

الوجه الثالث: أن الناس قد اختلفوا في وقت وجوبه، والأصل عدم وجوبه في الزمان الذي اختلفوا فيه حتى يجتمعوا عليه، لاسيما والذين ذكروا وجوبه إنما تأولوا عليه آية من القرآن [3] أكثر الناس يخالفونهم في تأوليها، وليس هناك نقل صحيح عمن يوثق به أنه واجب سنة خمس أو

(1) رواه البخاري (53) ، مسلم (18) .

(2) رواه البخاري (46) ، مسلم (11) .

(3) يريد قوله تعالى: (( وأتموا الحج والعمرة لله ) ) [البقرة: 196] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت