فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 391

( ومَا أنا أَسْقَمْتُ جِسْمي بِهِ ... وَلا أنا أَضْرَمْتُ في القَلْبِ نارا )

المعنى: كما لا يَخفي على أن السُّقمَ ثابتٌ موجودٌ وليس القصدُ بالنفي إليه ولكنْ إلى أن يكونَ هو الجالبُ له ويكون قد جَرَّه إلى نفسه

ومثلُه في الوضوحِ قولُه - طويل -:

( وما أنا وحْدي قلتُ ذا الشّعر كلَّهُ ... )

الشعرُ مقولٌ على القَطْع والنفَّي لأنْ يكونَ هو وحدَه القائلَ له

وهاهنا أمران يرتفعُ معهُما الشكُّ في وجوبِ هذا الفرقِ ويصيرُ العلمُ به كالضَّرورة

أحدهما أنه يصحُّ لك أن تقولَ: ما قلتُ هذا ولا قالَه أحدٌ من الناس . وما ضربتُ زيدًا ولا ضربَه أحدٌ سواي . ولا يصِحُّ ذلك في الوجهِ الآخر . فلو قلتَ: ما أنا قلتُ هذا ولا قالَه أحدٌ من الناس . وما أنا ضربتُ زيدًا ولا ضربه أحدٌ سواي كان خُلْفًا من القول وكان في التَّناقضِ بمنزلةِ أن تقولَ: لستُ الضاربَ زيدًا أمسِ . فَتُثْبِتُ أنه قد ضُرب ثم تقولُ من بَعده: ما ضَربه أحدٌ من الناس ولستُ القائلَ ذلك . فتثبتُ أنه قد قيلَ ثم تجيءُ فتقولُ: وما قالَه أحدٌ من الناس

والثاني منَ الأمرين أنّك تقولُ: ما ضربتُ إِلاّ زيدًا فيكونُ كلامًا مستقيمًا ولو قلتَ: ما أنا ضربتُ إلاّ زيدًا كان لَغْوًا منَ القول وذلك لأن نقضَ النَّفي بإِلاّ يقتضي أن تكونَ ضربتَ زيدًا . وتقديمُك ضميرَك وإِيلاؤه حرفَ النفي يقتضي نفيَ أن تكونَ ضربتَه فهما يتدافعان فاعرِفْه

ويجيءُ لك هذا الفَرقُ على وجهه في تقديمِ المفعولِ وتأخيرِه . فإِذا قلتَ: ما ضربتُ زيدًا فقدمتَ الفعلَ كان المعنى أنك قد نفَيْت أن يكونَ قد وَقَعَ ضربٌ منك على زيدٍ ولم تَعْرضْ في أمرٍ غيرِه لنفيٍ ولا إثباتٍ وتركتَه مُبهمًا مُحتملًا . وإذِا قلتَ: ما زيدًا ضربتُ فقدمتَ المفعولَ كان المعنى على أن ضربًا وقَعَ منك على إنسانٍ وظُنَّ أنَّ ذلك الإِنسانَ زيدٌ فنفيتَ أن يكون إيَّاه . فلكَ أن تقولَ في الوجهِ الأول: ما ضربتُ زيدًا ولا أحدًا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت