الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] . فإذا مات الميت ارتفعت عنه العبادات من الصلاة والغسل لها وغير ذلك، وغسل الميت إنما هي عبادة الأحياء تعبدوا فيها؛ فهي واجبة عليهم على الكفاية بإجماع [1] .
3 -أن غسل الميت واجب وإن لم يكن به جنابة، فعندما سقط الحكم بالوجوب لأجل الشهادة، وجب أن يسقط الغسل الواجب بالجنابة، إذ لا تأثير لها في غسل الميت الواجب، وكذلك غسل الشهيد [2] .
قال ابن رشد [3] : «وهذا احتجاج صحيح من جهة القياس والنظر» [4] .
4 -أن الغسل طهارة عن حدث، فوجب أن يسقط بالقتل كالطهارة الصغرى [5] .
5 -أن الحي الجنب إنما يغتسل لكي يصلي، والميت إنما يغسل ليصلى عليه، وإذا كان هذا القتيل الجنب لا يصلى عليه، فلا معنى لغسله [6] .
المناقشة والترجيح:
بالنظر إلى أدلة القول الأول نجد أن اعتمادهم في قولهم بغسل الجنب هو حديث غسل الملائكة لحنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه، وقالوا: إن فعلهم هذا يوجب على الآدميين الاقتداء بهم في تغسيل الجنب إذا قتل شهيدًا، واستدلوا على هذا بحديث غسل الملائكة لآدم عليه السلام.
وقد أجاب أصحاب القول الثاني على هذا بأن فعل الملائكة ليس من تكليفنا، ولا أمرنا بالاقتداء بهم [7] ، ولو كان واجبًا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة، فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد [8] .
وأما الأثر الوارد في غسل الملائكة لآدم، فإن هذا الخبر لم يرد من طريق يجعل ثبوته قاطعًا، فيؤخذ به، وعلى فرض ثبوته وصحته فهو قد روي موقوفًا على أبي بن كعب، ولعله مأخوذ من أهل الكتاب، وإذا كان كذلك فإن الشرائع لا تؤخذ إلا من كلام الله تعالى، أو من كلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
(1) البيان والتحصيل، لابن رشد: 2/ 250.
(2) البيان والتحصيل: 2/ 250، بتصرف.
(3) هو: الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الجد) ، ولد سنة 450 هـ، من كبار فقهاء الأندلس وأئمتها، من مؤلفاته: البيان والتحصيل، والمقدمات الممهدات. توفي سنة 520 هـ، انظر: الديباج المذهب، ص 278، شجرة النور الزكية، ص 129، معجم المؤلفين: 8/ 228.
(4) البيان والتحصيل: 2/ 250.
(5) الحاوي: 3/ 205 - 206، بتصرف.
(6) الحاوي: 3/ 205 - 206، بتصرف.
(7) نيل الأوطار، للشوكاني: 4/ 30.
(8) فتح الباري: 3/ 252.