الصفحة 72 من 96

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛

فالعلماء عبر تاريخنا الإسلامي هم منارة الأجيال، وحماة الدين، وهم ورثة الأنبياء، وفيهم قال الحق تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] . وأما في عصرنا فقد كان لعلماء ومشايخ الجهاد على قلتهم فضل السبق في حمل راية التجديد لأمر هذا الدين، إذ غدوا نورًا يُستضاء به في ظلمة الطريق. وإن موقعهم من ساحة الجهاد كموقع القلب من الجسد، حياةً ونبضًا وإرادة حركة.

هم الذين يضبطون مسيرة الجهاد أن تنحرف جهة الغلو والإفراط، أو جهة التميع والانحراف والتفريط والتنازل عن المبادئ. ولقد أدرك العدو قاتله الله أهمية وجود العلماء في ساحة الجهاد، أنهم يمثلون القلب النابض في كل ساحة، فراح يسدد سهامه نحو هذا القلب وأصاب منا مقتلًا في غير ما مرة؛ فقد استشهد المشايخ عبد الله عزام، ثم أسامة بن لادن، ثم عطية الله وأبو يحي الليبيين، وكذا العولقي والعدم، ثم الربيش والنظاري، تقبلهم الله جميعًا. وبين الآخر والأول أسماء كثيرة {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} [الأحزاب: 23] .

وكان من آخر من ارتقى من هذا الركب المبارك، ركب الخير، ركب العلم والعمل، ركب الجهاد والاستشهاد: الشيخ الحكيم أبو الحسن البليدي رئيس الهيئة الشرعية لجماعة قاعدة الجهاد في مغرب الإسلام تقبله الله ورفع منزلته. شيبة من مشايخ الجهاد الكرام، بقي حاملًا للقلم والسلاح في آن معًا لما يزيد على ربع قرن مجاهدًا في سبيل عزة أمته. رؤوف حليم، صابر زاهد، مجاهد مرابط، عالم عامل، ناصح مشفق، صادق أمين، قدوة في تربية الأجيال.

وإننا إذ نعزي أنفسنا وإخواننا وأمتنا باستشهاده إلا أننا نرى في استشهاده حياة. حياة له حسبما وصف ربنا سبحانه: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ} [آل عمران: 169، 170] . حياة لكلماته التي سقاها من دمه، ويوشك أن تنبعث بين الأحياء. وقد ترك لنا الشيخ دررًا لا غنى لمجاهدي هذا الزمان عنها. ومن آخرها كتابه (الشريعة الإسلامية وفقه التطبيق) . حياة لأجيال جديدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت