وأن يقيموا العدل، وينصبوه، وأن يمنعوا الباطل من العلو والظهور، وكذا الظلم والفجور.
وأن معيار العلم بالحق والباطل، إنما هو الوحي، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، قال سبحانه: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} .
وذلك أن الله تعالى هو الحق، وهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، له الأمر كله، كما له الملك و الخلق كله، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل، وأنزل به الوحي، حاكما بين الناس، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض، ويجاهدوا في سبيل إقامته، بالعلم واللسان، وبالقوة والسنان.
قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون * ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} ، وقال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} ، وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب} .
فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه، ولا يتفرقوا.
والقرآن مليء بالأمر بالاجتماع على الحق ومدحه، وذم الافتراق عنه والتفرق فيه، والأمر بجهاد الباطل وأهله، وقد سماهم أهل الشقاق، وأهل النفاق، وأهل الكفر، أو الفسق والفجور، وجمع لهم أوصاف الذم وأسماءه.
هذا هو الأصل العظيم الجامع، المعلوم من الدين بالضرورة، من دفعه كفر وارتد، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه بإتفاق العلماء.
وعلى هذا الأصل أقيمت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، بل جعل النظام السياسي كله قائما على هذا الأصل، فمقصوده إظهار الحق الذي تحمله الأمة بالوحي، إظهاره أي جعله ظاهرا بالقوة والعلو، بين المؤمنين، وعلى الأرض كلها بجهاد الطلب.