فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 114

المغيرة، حيث ظل يغدو في جواره آمنًا مطمئنًا، ولما رأى ما يصيب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وما هو فيه من العافية أنكر ذلك على نفسه، وقال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشي إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي لعله؟ آذاك أحد من قومي؟ قال: لا ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فرد علي جواري علانية كما أجرتك علانية، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان جاء يرد علي جواري، قال: صدق قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله، ثم انصرف عثمان، ثم انصرف عثمان إلى مجلس من مجالس قريش فجلس معهم، وفيهم لبيد بن ربيعة الشاعر ينشدهم، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت، قال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، قال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فاخضرت، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن عينك لغنية عما أصابها، ولقد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك، فقال: لا [1] .

واشتدت وطأة قريش على المستضعفين من المسلمين ممن لا أهل لهم ولا عشيرة، فنكلت بهم أشد تنكيل، وأذاقتهم ألوان العذاب؛ لتفتنهم عن دينهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتنفس عن حقدها وغضبها من هذا الدين وأهله [2] .

(1) سيرة ابن هشام 1/ 369؛ الاكتفاء بما تضمنه من مغاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 1/ 266؛ الروض الأنف 2/ 155.

(2) السيرة النبوية عرض وقائع للصلابي 1/ 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت