الصفحة 16 من 80

القوي، وحُبِّ المعرفة والتنوُّع، ويُفَضِّلون تجربة الأفكار الجديدة على الرَّتابة واتِّباع الأفكار السَّائدة والموروثة [1] .

ويبدو لي أنَّ مَنْ تَزيدُ في شخصيته سِمة"يقظة الضمير"على سِمة"الانفتاح"يكون، على الأغلب، من أصحاب الألفاظ. وبالعكس مَنْ تزيدُ في شخصيته سمة"الانفتاح"على سِمة"يقظة الضَّمير"يكون، على الأغلب، من أصحاب المعاني.

وعلى هذا فاللَّفظيون والمعنويُّون كلاهما من مظاهر آيات الله في خلقه، كخلق الليل والنّهار، والوادي والجبل، والحار والبارد، والحلو والحامض، {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات: 49) . ومن شأنِ وجود هذين الصِّنفين في الناس إيجادُ التوازن في حركة الحياة وتقدُّم العلوم الاجتماعية، بين المحافظة على القديم، والمعتاد، والموروث، والمجرَّب، من جهة، وتقبُّل الجديد، والمخترَع، والوافِد، وغير المجرَّب، من جهة أخرى. والتوازن الذي يَتَحقَّقُ جرَّاءَ تفاعُلِ هذين الصِّنفين من النَّاس عوامِّهم وعلمائهم، وتدافُعِهما، مُهِمٌّ جدَّا لخير الإنسان؛ لأنّه يؤدِّي إلى مصلحتين عظيمتين: إحداهما: المحافظةُ على حدٍّ معقول من استقرار الأعراف والعلوم، والأخرى: السَّماحُ، في الوقت نفسه، بحدٍّ معقول من التطوير والتغيير.

وبهذا التوازن ينتظِم شأنُ المجتمعات والعلوم؛ فالاستقرار النِّسبي في الأعراف والعلوم يحقِّق الأمن النفسي، والسَّكَنَ القلبي، ويمنع من الاضطراب والقلق اللَّذين ينجمان عن المبالغة في التقلُّب والتغيير والتطوير. وفتحُ الباب للتطوير والتغيير، بدوره، يضمن المرونة وينفي الجمود ويحقِّق التَّفاعل الإيجابي للمقرَّرات العرفية والعِلْمية مع تقلُّبات الزمان والمكان والأحداث.

وتنقلِب نِعمةُ الانقسام والتنوُّع هذه إلى نِقْمة: إذا اشتدَّ اصطِراع الفريقين، اللفظيين والمعنويين، إلى حدِّ الخروج عن حدود الأُخُوَّة الإسلامية، والمصير إلى حالِ من قال الله، تعالى، فيهم: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (الحشر: 14) ، أو إذا طغى أحد الفريقين ـ مُسْتغِلِّا ما قد يكون له من سُلطانٍ عِلْمي أو سياسي ـ على الفريق الآخر، فألغى حقَّهُ في أنْ يصير إلى ما أدَّاه إليه اجتهادُه وطبعُه الذي فُطِر عليه.

(1) يُنظر موقع الموسوعة المجانية العالمية وكيبيديا: http://en.wikipedia.org/wiki/Big_Five_personality_traits

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت