وهذان الصنفان من المشركين قد رتبت عليهما أحكام عقدية وعملية في الكتاب والسنة ومن هذه الأحكام ما هو أصل وشرط في صحة الإيمان والإسلام يجب الإتيان به وجوبا وإلزاما، ومنها ما يكون حرام عند تعطيله وترك العمل به، ويعد هذا الأخير من كبائر الذنوب.
إذن الشطر الأول من هذا الناقض الذي هو عدم تكفير المشركين ناقض مستقل بالإجماع، وأما تكفير المشركين فيكون بإشهار التكفير، أي إعلانه وإظهاره في وجوههم، وهو حق، ويكون باعتقاد كفرهم في القلب، والأخير شرط في صحة الإيمان.
وأما اعتقاد كفر المشركين فهو أصل من أصول الإيمان، وما لم يأت به المسلم فليس هو بمسلم أبدا، بل هو مشرك مرتد يحسب حقيقة على المشركين لا على المسلمين ولو كان مع المسلمين اسما فهو يفارقهم حكما.
والتكفير و الإكفار له شروطه المعروفة والمعتبرة، وهو إصدار الحكم على المرء بأنه كافر أو مشرك، مستحق لعقوبة القتل في الدنيا والخلود في النار في الآخرة ما لم يرجع فيتب إلى الله من نوع الكفر أو الشرك الذي وقع فيه وتلبس به، وهو أيضا حكم من الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، يكون واجبا في مواطن، وحراما في مواطن أخرى، إلا أنه في حق الكافر والمشرك الأصلي ثابت لا يتغير ولا يتبدل ولا يرتفع عنه إلا بتغيير الدين الباطل المتدين به والدخول في دين رب العالمين دين الإسلام الحق المطلوب التدين به والعمل بأحكامه.
وتكفير المشركين الأصليين، واعتقاد كفرهم، وكذا التبرؤ منهم لا فرق فيه بين عالم أو جاهل، بل هو واجب من واجبات الإيمان على كل مسلم مكلف. وهذا هو الحد الفاصل بين أولياء الله من أهل الإيمان، وبين أولياء الطاغوت من الكفار أصحاب الخلود في النيران.
قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] .
وعن هذه الآية قال العلامة الطاهر بن عاشور [1] - رحمه الله: والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم. . وعطف عليه {ومما تعبدون من دون الله} أي من الأصنام التي تعبدونها من دون الله والمراد بُرَءآء من عبادتها. وجملة {كفرنا بكم}
(1) هو العلامة المتفنن والمفسر المالكي محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور مفتي تونس بعد استقلالها ولد عام (1226 هـ) أحد أبرز علماء جامعة الزيتونة، له موقف قوي مع الطاغية بورقيبة وذلك برفضه إقراره على إفطار الناس في رمضان، و له جهود مباركة في نشر الدعوة، وله تصانيف جيدة في كثير من ميادين العلم الشرعي من أشهرها هذا التفسير و الذي كتبه في مدة تجاوزت الثلاثين سنة، توفي رحمه الله وغفر له عام (1393 هـ) .