وبهذا الذي ذكر يتبين لي ولك أن الوساطة إذا كانت بين الناس الأحياء دون الأموات فلا يحكم على صحتها من بطلانها إلا بالنظر في صورتها، وأما إذا صرفت لتكون بين الناس وبين ربهم، فالحق فيها أن الوسائط بين الله وبين خلقه من الملائكة والرسل هي لتبليغ شرع الله تعالى وإقامة الحجة على الخلق من الجن والإنس. وما سوى هذا الأخير فدائر بين الشرك والبدعة.
وأما الدعاء في اللغة فهو: الإيمان، وهذا الذي فسره به البخاري رحمه الله بقوله: ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان، واستشهد لهذا بقول الله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] .
وفي اصطلاح الشرع هو: العبادة نفسها، يؤكد هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» ، ووجه كون الدعاء هو العبادة لاشتمال كل أنواع العبادة على الدعاء بنوعيه، دعاء العبادة، ودعاء المسألة.
قال الإمام ابن رجب - رحمه الله: أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله عز وجل والابتهال إليه كقول الداعي: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان. وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] . فما استجلب العبد من الله ما يحب واستدفع منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقة الإيمان، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا. اهـ (فتح الباري صحيح البخاري لابن رجب -(1/ 20)
وقال ابن القيم - رحمه الله: قوله عز وجل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [العراف: 55 - 56] . هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويرادبه مجموعهما وهما متلازمان فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقا والمعبود لا بد وأن يكون مالكا للنفع والضرر ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه مالا يملك ضرا ولا نفعا وذلك كثير في القرآن. اهـ (بدائع الفوائد -(2/ 835) - طـ/ دار عالم الفوائد)
وهنا فائدة جد جيدة - منقولة - وهي أن الدعاء قد ورد في القرآن الكريم على وجوه، منها: