ومن مهمات المُلك الراشد أيضًا العمل بشتى الوسائل على أن يكون الدين مصونًا عن كل ما يسيء إليه؛ سواء في هذا ما يتعلق بالعقيدة الإسلامية أو غيرها. فعلى المُلك الراشد محاربة البدع ودحض الشبه والمفتريات والأباطيل التي يروجها أعداء الإسلام، وعليه محاربة الأفكار الهدامة بشتى الوسائل وتبيين ما فيها من أباطيل، حتى يبقى الناس في سلامة وأمن في دينهم وأفكارهم وإن من أخطر الأمور أن يتبنى الملوك هذه البدع والأفكار، ففرعون موسى كما بينَّا تبنى الكفر وروج له ودافع عنه بكل ما أوتي من ملك وقوة ومال وسلطة، وفي ذلك من فساد دين العباد ما فيه.
يقول ابن الأزرق:"ركون المبتدع إلى الولاة من أعظم ما يخل بهذا الحفظ -أي حفظ الدين- لأمرين: أحدهما: لما فيه من الإخافة لمن أبى من الإستجابة له سجنًا وضربًا وقتلًا ..."
الثاني: ما ينشأ عن ذلك من كثرة المعجبين للدعوة، لأن سوق أكثر النفوس لما يراد منها بوازع السلطان أمكن مما هو بمجرد الباعث الديني ... وعند ذلك فيجب على ولاة الأمور إبعاد هذا الصنف المشئوم وإسلامهم لإجراء الأحكام عليهم مخافة الفتنة بهم أولًا وإدخال الضرر في الدين ثانيًا" [1] ."
ووسائل دفاع ذلك كثيرة، منها التعليم لها، وإقامة الحجة عليهم، كما فعل علي رضي الله عنه مع الخوارج حينما بعث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- لمناظرتهم فرجع منهم خلق كثير، ومنها تعزير المتعنت منهم وتغريبه وهجره، كما فعل عمر رضي الله عنه بصبيغ الذي أخذ يسأل عن متشابه القرآن فضربه عمر وقال: احملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقم خطيبًا، ثم ليقل إن صبيغًا طلب العلم فأخطأه [2] . ومنها
(1) بدائع السلك في طبائع الملك (2/ 131) .
(2) الآجري، محمد بن الحسين، الشريعة، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط 1، (مطبعة السنة المحمدية،1369 هـ) ، ص 73.