لذا فان الشيعة مَدينة لهذا المؤلف الشجاع الذي ملأ فراغًا لم يشغله غيره اذ دون الحقائق التاريخية العائدة لتلك الفترة، بمنهجية اتسمت بالصراحة على الرغم من ظروف تأليفه الخانقة، اذ كتبه سليم في عصر المنع المطلق من تدوين أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وحتى ما يتعلق منها بالسنن والأحكام الشرعية حتى في المساجد وحتى إذا كان رواتها كبار الصحابة فقام بتدوين هذه الحقائق وجمعها في كتابه وكان اغلبها قد أخذه عن الأئمة الأطهار علي والحسن والحسين وزين العابدين - عليه السلام - والصحابة الثقات ويكتبها في كتابه على خوف ووجل لئلا يطلعّ عليها أحدًا فيتلفها أو يقتل كاتبها، ومن جهة أخرى فقد دوّن سليم مخالفات حكام عصره الذين كان يعيش معهم، ونجح في إخفاء ذلك عن عيونهم، فقد كان لحرصه على كتابه يحمله معه في إسفاره وتنقلاته العديدة خصة بعد أن اخذ الأمويون يطاردون شيعة علي - عليه السلام - وفي اخر عمره عندما كان الحجاج يتبع من بقي من أصحاب الإمام علي - عليه السلام - ليقتلهم، وتنقل من بلد إلى بلد ما بين نجد ومكة والمدينة والكوفة والبصرة - ثم عبر الى ارض فارس، وفيها حط رحاله مرغما أياه المرض، فنزل بدار صديقه أبّان بن أبي عياش [1] وفيها جاءه الأجل وكان قد اخذ قبل موته على أبّان المواثيق والعهود، وكشف له حقائق عاشها وشاهدها ودونها وقرأ عليه الكتاب وأودعه عنده ليوصله الى اهله، فحافظ أبّان على الأمانة وحمل كتاب سليم الى علماء البصرة، فنسخه بعض الرواة والعلماء رغم الظروف السياسية الصعبة حتى انتشرت نسخة بشكل صار معه لا يخشى عليه من الاندثار [2] .
(1) ابان ابي عياش واسم ابي عياش فيروز، تابعي ثقة من اصحاب السجاد والباقر والصادق - عليه السلام - توفي سنة 137هـ (ينظر: هاشم البحراني، حلية الابرار:2/ 400؛مدينة المعاجز،1/ 190؛ الحلي، خلاصة الاقوال،325.
(2) كتاب سليم:13 - 19؛ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة،12/ 216؛الطبرسي: كفاية الموحدين، 3/ 391 - 395؛المتقي الهندي، كنز العمال:3/ 27.