الصفحة 41 من 176

5 ـ وهناك ملحظ جدير بالأهمية في هذا النزول التدريجي، هو إحكام الأمر، وإبرام العقد، وهذا الإحكام وذلك الإبرام يتمثل بعملية صياغة النفوس في إطار جديد، فهي على قرب عهد من الجاهلية بأعرافها ومفاهيمها وأخطائها، والنقلة الفورية ليست خطوة عملية في التغيير الاجتماعي الذي أرادته رسالة القرآن، فمن عزم الأمور ـ إذن ـ أن تستجيب النفوس لهذا التغيير الجذري، ولكن لا على أساس المفاجأة الخطرة، التي قد تولد ردة فعل مضادة، تطوح بكل شيء، بل تقليص القيم القديمة شيئًا فشيئًا، وتضييعها جزءًا فجزءًا، لتتلاشى في نهاية المطاف، وتختفي عن صرح الاجتماع. وخير دليل على ذلك مسألة تحريم الخمرة، إذ ارتبطت بالعرب أدبيًا واجتماعيًا ونفسيًا واقتصاديا، وهي جوانب متعددة، أباحت هذا الإدمان المستحكم عند العرب، فلو حرمت دفعة واحدة، لكفر بهذا التحريم، ولضاعت فرصة التغيير الاجتماعي، ولكن الوحي تلبث وترصد وتأنى، فجاء بالأمر في خطوات متعاقبة شملت بيان المنافع والمضار والمآثم، وتدرجت إلى النهي عن اقتراب الصلاة وأنتم سكارى، وانتهت إلى التحريم: (إنما الخمرُ والميسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشَّيطانِ فاجتنبوهُ ... ) (1) .

6 ـ ولنقف بهذا الجانب الحساس والمؤثر على صلب الموضوع من بدايته، قبل النظر في التطبيق.

كانت الجزيرة العربية بعامة، ومكة المكرمة بخاصة، تتجاذبهما عقائد شتى، فالصابئة لها طقوسها المختلطة من ابتداعات وشعائر ترتبط بالكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية (2) . وما امتزج عن عاداتهم في مذاهب قريش في الوثنية وعبادة الملائكة، ومراسم الحج.

والمسيحية، وما صاحب مبادئها من تحريف مزدوج، وتغيير مفاجئ، فبدل التسامح الديني الذي اشتهرت به تعاليم السيد المسيح،

(1) المائدة: 90.

(2) ظ: جزءًا من عقائد الصابئة، محمد عبدالله دراز، مدخل إلى القرآن الكريم: 132 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت