آلياته في الحجب والتبديل والنسخ، والنَّصّوص سواء في ذلك"، وعليه يقتضي بأن التفكيكية ( [17] ) وغيرها من المناهج الحديثة لفهم النص تقوم على"التعامل مع النَّصّ على كشف المحجوب" ( [18] ) ، بل إن النصوص الشرعية ما هي إلا خطاب"ديماغوجي"أو"دوغمائي" ( [19] ) تسعى لحجب الحقائق وصرف الناس عن قضايا تتعلق بحجية هذا النص الشرعي، ثم زعم آخرون أن النص القرآني مستحيل الفهم منعدم الاستقلالية كما يقول نصر حامد أبو زيد:"بفرض وجود دلالة ذاتيَّة للنَّصِّ القرآنيِّ فإنَّه من المستحيل أن يدَّعي أحدٌ مطابقةَ فهمه لتلك الدِّلالة" ( [20] ) ، فهو يشكك في وجود استقلالية في دلالة النصوص الشرعية؛ فضلًا عن فهم معانيها، غافلًا وزمرتُه عن أن الله بيّن سبب إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] ، وأن التعليم والبيان وإظهار الحقائق، ووضع الأمور -الدنيوية منها والأخروية- في ميزانها الصحيح هو ذروة سنام الرسالات السماوية."
وهذه العبثية في التحليل التي ينزّه البشر أنفسهم عنها، فضلًا عن تنزيه الشريعة عنها ما كانت إلا أثرًا واضحًا للبعد عن التعامل الصحيح الذي طالما حفيت به نصوص الكتاب والسنة المطهرة، وهذا إدعاء مستحيل؛ لأن نصوص الشريعة ستناقض -بذلك- أهم أسباب ورودها، وهو الهداية والرشاد، وهذا عند العقلانيين والمناطقة أمر محال، فلا يجوز لأي خطاب ديني أو غيره أن يناقض وجوده ويهدم نفسه لا من بعيد أو قريب، وإلا لكان عبثيًا، فكيف يكون خطاب الله للبشر خطابًا غير مفهوم، أو أن ظواهره مخالفة لبواطنه؟!، هذا منافٍ للعقل.
بل إن التعامل الصحيح مع نصوص الشريعة سيؤدي إلى الالتزام بمنهج النبوة والسلف المبني على قواعد سليمة عقلًا وشرعًا لفهم تلك النصوص، وهذا الالتزام في الفهم سيفرز مخرجات واضحة، تعمل على توحيد الأمة واجتماعها على ما أمر الله به من الاعتصام بكتابه وسنة نبيه.
أما التضارب في فهمها وتلاطمه كأمواج البحر الهائج، فهذا سيجر الأمة إلى تنازع ليس عنه رجعة؛ لأن العقول ذوات أهواء وقناعات متباينة تسمح لمنطقياتها تحريف الأدلة أو ليّ أعناق النصوص إلى ما تهواه، وتأويله على ما يخالف فهم السلف، خصوصًا في تلك النصوص غير قطعية الدلالة، والعامة منها، ويساعد ذلك عجزها عن تخيل الغيب على حقيقته، وهذا كله محل خلاف يؤدي إلى التفرق والتباعد، والجدل والخصومة والمراء في الدين، واتباع الظن المنهي عنه شرعًا، وموافقة للأهواء المختلفة، واستمراء الفلسفيات المناقضة لأحكام الشريعة، والتفريط في أهم موروث بشري لدى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، كما أنه اتباع لسنن من كان قبلهم، والتشبه بهم، ومدعاة لوقوع الفتن بين أتباع الدين الواحد والكتاب الواحد، والشرع الواحد، مما يكون له الأثر الواضح في شق عصا المسلمين، وذهاب ريحهم وزوال دولتهم؛ ولهذا حذّر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من اتباع السبل المفرِّقة عن سبيله، والاقتداء بسنن من كان قبلنا؛ حفاظًا على وحدة المسلمين، وقوة شوكتهم، وعزة أمرهم؛ فنعى على بني إسرائيل اتباعهم هذا المنهج فقال: {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] ، فهؤلاء كلما أتتهم شريعة على غير أهوائهم، استنكروها وكفروا بها، وقد حذّر الله من مغبّة ذلك أنه ضلال في الدنيا وعذاب في الآخرة، فقال: {وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] ، وقد صحّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ( [21] ) ، فالشريعة تبعٌ، والعقل والهوى تابعان، لا