و الواقع أن هناك حججًا تعزز كلًا من النظريتين، فإن الذين يملون إلي الرأي القائل، بأن القوم النازحين أتوا من الجنوب، فذلك، لأن كل معلومتنا عن هذا العصر السحيق مستمدة فقط من بعض حفائر عملت في الوجه القبلي، مع أن هناك مناطق أثرية أقدم من تلك، واقعة في الدلتا، ولم يُكشف علميًا، إلا عن بعضها منذ زمن قريب جدًا، كمنطقة المرمدة، ولم تعطنا كل المعلومات التي يجب أن نستند عليها في تكوين رأي قاطع.
وكذلك نجد أن عبادة الإله (حور) الذي كان يُعدُ من أقدم المعبودات المصرية، قد دخلت مصر من الجنوب عن طريق بلاد النوبة، أو أعالي وادي النيل، أو بطريق وادي حمامات، عقب غزو القوم المسمين علي الآثار (أتباع حور) كما يزعم بعض المؤرخين).
علي أننا من جهة أخري نجد أن بعض المميزات البارزة في تكوين الديانة المصرية ونموها، قد ظهرت في الوجه البحري، فمثلًا نري أن أشهر العبادات التي انتشرت في طول البلاد وعروضها تدريجيًا، هي عبادة الإله (أوزير) ، ويرجع أصلها إلي بلدة (أبو صير) القريبة من سمنود، وعبادة إله الشمس (رع) ويرجع أصلها إلي بلدة عين شمس القريبة من القاهرة.
يضاف إلي ذلك أن كثيرًا من بلاد الوجه القبلي كانت تسمي بأسماء مدن مأخوذه من الدلتا أقدم منها، وعلي ذلك يكون من المحتمل جدًا أن الجنس الجديد، قد زحف علي البلاد من شمالي سوريا عن طريق فلسطين وسيناء، وأحضر معه مدينة أرقي من مدينة الجنس الأصلي الحامي الذي لم يعرف إلا الآلات، والأواني الحجرية. أما الغزاة أو النازحون، فيقال إنهم أدخلوا في البلاد معرفة المعادن وبخاصة النحاس، وأدخلوا كذلك عبادتهم للأموات وديانتهم وكتابتهم وفنونهم