الصفحة 5 من 22

والغريب أن الذين قالوا بهذا الرأي نصوا على أن من خصائص هذه اللغة المشتركة أنها لغة خاصة، ذكر ذلك إبراهيم أنيس في قوله:"ولذلك لم يتقنها إلا الخاصة من العرب، وهي وإن كانت مفهومة لعامة العرب يسمعون إليها في شوق وإعجاب، غير أنها لم تكن في متناول جمهور الناس وعامتهم، ولذلك كانوا يرون إجادتها مما يرقى بالمرء إلى المركز المرموق بين أهله وعشيرته" (13) . ولكن رأي إبراهيم أنيس هذا لا يستند على شاهد قديم، إلا إذا اعتبرنا أن إجادة الفصحى تعني إجادة فن القول بالضرورة، وهذا غير صحيح، فالشاعر أو الخطيب لا يحتاج إلى إجادة اللغة فقط لكي يكون شاعرا أو خطيبا، بل يحتاج كذلك إلى الموهبة الفطرية، وقد وجدنا أناسا كثيرين يجيدون لغة من اللغات ولكنهم ليسوا بشعراء ولا خطباء، وذلك لعدم توفر الموهبة لديهم. ففي عاميتنا اليوم عندنا شعراء الشعر الشعبي يقولون شعرا في مستوى لا يمكن لأي متكلم بهذه العاميات أن يقوله، ومع ذلك فلسانهم لساننا، ولم يتثقفوا بثقافات أخرى. فكذلك الشأن بالنسبة إلى العربية القديمة.

فالشاعر أو الخطيب عندهم لم يفضل غيره لأنه تعلم لغة راقية عن لغتهم، وإنما لقوله الشعر بلغتهم، فالفضل راجع إلى الموهبة لا إلى اللغة، بدليل أنهم كانوا يفهمون كلامه كما صرح بذلك الدكتور إبراهيم أنيس نفسه. وجملة القول في هذا الموضوع أنه ليس كل من أجاد لغة من اللغات يمكنه أن يقول بها أدبا شعرا أو نثرا.

ومن خصائص هذه اللغة المشتركة عند هؤلاء الباحثين هي كونها لغة غير سليقية لكل العرب:"ولذلك لا يصلح مطلقا أن نقول أنها لغة سليقية لكل العرب، وهذه هي الصفة الثالثة من الصفات اللغة المشتركة وهي أنها ليست لغة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت