من خلال النفاذ (( من دائرة الذاتية الضيقة إلى رحاب الإنسانية ) ) [1] وبذلك استطاع توظيف الرمز الأسطوري بما يخدم تجربته الشعورية وبناءه الفني. وقد كرسّ رموزًا مثل السندباد، وسيزيف، وبروميثوس، ولعل الأخير أقرب إلى حقيقة الشاعر الفادي ومن هنا كانت أحزانه هي (( أحزان برميثوس الفادي الذي ضحّى من أجل الإنسانية ) ). [2] يقول في قصيدة (( سارق النار ) ):
وحدي احترقت أنا! وحدي وكم عبرتْ
بيَ الشموسُ ولم تحفل بأحزانيْ
إني غفرت لهم، إني رثيتُ لهم
إني تركت لهم يا ربّ أكفاني
فلتلعب الصدفة العمياء لعبتها.
فقد بصقت على قيدي وسجّاني [3]
البياتي هنا مضحٍّ، وإن كان يائسًا:
عصر البطولات قد ولى وها أنذا
أعود من عالم الموتى بخذلانِ [4]
ولكنه يأس مؤقت فالشاعر لم يُلقِ سلاحه ولم يستسلمْ، وما يقدمه النص من صورة ذهنية هي من صنع العلاقات الخاصة التي أقامها الشاعر بين الكلمات وفي قصيدة (( سيرة ذاتية لسارق النار ) ) [5] يكون بروميثوس والشاعر، وشعراء الكدية أبطال القصيدة، فالشاعر يبحث عن بروميثوس، ثم يلتقي به، ثم يموت هذا الأخير بعد أن يُبلِّغ الشاعر وصاياه.
أما بلند الحيدري فهو مثل نازك مستسلم لحزنه الشخصي، وغارق في غربته حتى الضياع فكأنه بنى لنفسه عالمًا خاصًا متماثل الخطوط والألوان. [6] وقد استخدم من الرموز أوديب، وبرميثوس والسندباد (وإن لم يسمِّهِ صراحة) [7] . في قصيدة (( بروميثوس ) )يقدِّم الشاعر ضياعه، إلى جانب كبريائه:
وكالذرى
تلك التي لا ترى
(1) عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، احسان عباس، ص 103.
(2) الحنين والغربة في الشعر العربي الحديث، د. ماهر حسن فهمي، ص 133.
(3) ديوانه، أباريق مهشمة، 1/ 181.
(4) المكان نفسه.
(5) ديوانه، سيرة ذاتية لسارق النار، 3/ 369.
(6) ينظر: الشعر والشعراء في العراق، أحمد أبو سعد، 177.
(7) تنظر: قصيدة الرحلة الثامنة، ديوانه، خطوات في الغربة، 70.