هذا هو البطل من الداخل: تأزم أقوى من عباب البحر، واشتياق يعلو على كل ما عداه من الضجيج، فهو غريب، طريد، يقف على غير أرض وطنه مدافعًا بالمناكب، محترفًا بالرياح، ومسكونًا بالجوع والفاقة، والخوف، والحنين، والعراق يملأ عليه المكان والزمان، داخل ذاته، وخارجها.
ويستمر الشاعر في رسم اللوحات، وتوليد الصور: ففي اللوحة الثالثة: يسترجع الماضي من خلال مجموعة من الصور محدودة المساحة: فثمة صورة: الأم وهي تهدهد طفولة الشاعر، وصور النخيل المكتظ بالأشباح، وصور الأطفال وهم يعودون مبكرين مع الغروب خيفة تلك الأشباح، وصورة المفلّية العجوز وهي تروى قصة عفراء وحزام:
هي وجه أمي في الظلامِ
وصوتها يتزّلقان مع الرؤى حتى أنامْ
وهي النخيل أخاف منه إذا أدلهمّ مع الغروبْ
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ
من الدروبْ؟
وهي المفلّية العجوز وما توشوشُ عن حزام [1]
ولكن خيط الماضي ينقطع، فتلك انتباهة حملت الشاعر، وها هو يصحو منها، ليعود إلى نفسه .. حيث هو،
غنيت تربتك الحبيبةْ
وحملتُها فأنا المسيح يجر في المنفى صلبيه
فسمعت وقع خطى الجياع تسير، تدمى من عثارْ
فتذّرفي عينيّ منك ومن مناسمها غبارْ [2]
فالمسيح الذي يرتهنه المنفى:"مترب القدمين"و"اشعث في الدروب، تحت الشموس الأجنبية"تستدر الأطمار التي يرتديها العطف والشفقة، ويكاد فقره يدفعه إلى الاستجداء بثوب"الشحاذ الغريب"وقد حاقت به العيون الغريبة، فبعض تحتقر وتزور وتنتهر، وبعض ترق وتسخو [3] وهكذا قدم الشاعر تشكيلًا متدافعًا من الصور، هي في مجموعها قصة المناضل الطريد، موزعًا بين ماضي بريء
(1) نفسه: 1/ 318
(2) نفسه 1/ 321
(3) يُنظر: المكان نفسه.