الصفحة 4 من 12

اللسانية على بيئتين: بدوية خالصة، وحضرية كما اسلفنا، وجعلوا لكلِّ بيئةٍ استعمالات تعكس بعض خصائص تلك البيئة، مثلا قولهم في لغة أهل الحجاز في تركهم ادغام الحرفين المثلين في الجزم فيقولون: أُرْدُدْ ولا تُرْدُدْ وتلك هي اللغة العربية القديمة الجيدة (1) ،وقولهم في لغة بني الحارث، قال الفراء: (( أنشدني رجل من الاسد عنهم -يريد بني الحارث- أي يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف قال:

فاطرق إطراق الشجاع ولو يرى

مساغًا لِناباه الشُّجاعُ لَصَمَّما

قال: ما رأيت أفصح من الأسدي )) (2) . و ما نقل عن هذيل بانها تقول: سميج و نذيل، أي اجراء الصفة في ما كان بناء فعلها فَعُلَ يَفْعُلُ مجرى الاسم على فعيل (3) إذ ثبت هذا الاستعمال بقول أبي ذؤيب الهذلي في قصيدة يقول في مطلعها

صبا صبوةٌ بل لجَّ وهو لجوجُ

وزالت لهُ بالأنعمينِ حدوج

ثم قال

فإن تعرضي عني و إن تتبدلي

خليلًا ومنهم صالح وسميج (4)

ونقل عن الفراء (5) في قوله تعالى: (( وعلى كل ضامر يأْتين من كل فَجَ عَمِيق ) )الحج/27؛ان لغة أَهل الحجاز عَمِيق؛ وبنو تميم يقولون مَعِيق، وفي حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: أَنه سئل عن قَتْل المُحْرِم الحيَّاتِ، فقال لا بأْس بقتله الأَفْعَوْ ولا بأْس بقتل الحِدَوْ، فقلب الأَلف فيهما واوًا في لغته، أَراد الأَفعَى وهي لغة أَهل الحجاز (6) ،ونقل عن الفراء أنّه يقول: (( أَمْلَلْت لغة أَهل الحجاز وبني أَسد، وأَمْلَيْت لغة بني تميم وقيس ) ) (7) ، وحكى سيبويه: أَن من العرب من يقول نَعْمَ الرجلُ في نِعْمَ، كان أَصله نَعِم ثم خفَّف بإِسكان الكسرة على لغة بكر بن وائل، (8) وقولهم في يِيجَل، بكسر الياء، فهي على لغة بني أَسد فإِنهم يقولون: أَنا إِيجَل ونحن نِيجَل وأَنت تِيجَل، كلها بالكسر وهم لا يكسرون الياء في يَعْلَم لاستثقالهم الكسر على الياء، وإِنما يكسرون في يِيجَل لتقوَّى إِحدى الياءين بالأُخرى (9) ، و قال سيبويه في موضع آخر من الكتاب في باب الأسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة الذي إذ جاء بشاهدٍ على ما رُفع بجواب الشرط على نية التقديم قال: (( قال الهذلي ) ):

فقلت تحمَّلْ فوقَ طوقِكَ إنَّها

مطبعةٌ من يأتها لا يُظيرُها )) (10)

ونسب الشاهد في الخزانة وفي شرح أبيات سيبويه

إلى أبي ذؤيب الهذلي (11) .

وقد ترسم علماء العربية وباحثيها هذا الأثر في بيان الظاهرة اللغوية و تحديد بيئتها، فنقل لنا ابن جني في المُنصف أن بني عامر يقولون في (فَعَلَ) المثال الواوي في المضارع يَفْعَلُ أي يحذفون فاء الفعل فيقولون من وَجَدَ يَجُدُ و استشهد بنص للبيد بن ربيعه العامري قال:

لو شئتِ قد نقعَ الفؤادُ بشربةٍ

... تدع العوالي لا يَجُدْنَ غليلا (12)

و قال ابن جني فيما اجري في الوصل على حده في الوقف (( ... قول الآخر:

فضلت لدى البيت العتيق أخيلةً

ومِطْواي مشتاقانِ لَهْ أرْقَانِ )) (13)

إذ حكى (14) أبو الحسن أنَّ سكون الهاء في هذا النحو لغة لأزد السراة، و النص الشعري في أعلاه هو ليعلي بن الأحول الأزدي (15) .

وقيل إنَّ تميما يقولون: شِهيد، بكسر الشين، اي يكسرون فِعيلًا في كل شيء كان ثانيه أَحد حروف الحلق، وكذلك سُفْلى مُضَر يقولون فِعيلًا، والامر عينه في لغة شَنْعاء يكسرون كل فِعِيل، اما النصب فلغة الحجاز (16) ،وقولهم في حَوْثُ: لغة في حَيْثُ، قيل: إِما لغة لطيِّئٍ وإِما لغة لتميم. ونقل عن اللحياني أنَّها لغةُ طيِّئٍ فقط، إذ يقولونَ حَوْثُ عبدُاللَّهِ زيدٌ (17) ،وقال الفيروزآبادي حَوْثُ لغة في حيث طائية (18) ، ومن العرب من يقول حَوْثَ فيفتح، رواه سيبويه، كما أَن منهم من يقول: حَيْثَ (19) . وروى الأَزهري بإسناده عن الأَسود قال: سأَل رجل ابنَ عمر: كيف أَضَعُ يَدَيَّ إِذا سَجَدْتُ؟ قال: ارْمِ بِهما حَوْثُ وقَعَتا؛ قال الأَزهري: كذا رواه لنا، وهي لغة صحيحة. حَيْثُ وحَوْثُ: لغتان جيدتان، والقرآن نزل بالياء، وهي أَفصح اللغتين (20) ،إذ ارادوا بهذه الاستعمالات وغيرها وسم البيئات او اللهجات بسمات خاصة تختلف عن غيرها، وهذا يشعر بوجود مفاضلة بين هذه اللغات، ثم زاوجوا بينها وجعلوا من هذه اللغات مجموعة لسانية، يشتركون بلغة واحدة، ويتداولون انماطها، وعلى هذا الاساس شكلت هذه اللغة المادة الصالحة لبناء القواعد اللغوية ذات السلوك المتماثل نسبيًا أو المتقارب إلى درجة التماثل، مع اعتماد مبدأ المفاضلة بينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت