الصفحة 39 من 92

وما من رجل إلا وهو يدعو ربه صباح مساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إلا إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-من قبل إلينا).

ثم قال: (لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم) ، عند ذلك اجتمع المقوقس بأصحابه فقالوا: (أما الأمر الأول فلا نجيب إليه أبدًا، فلا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه) .

وبذلك رفضوا شرط الإسلام، فلم يبق أمامهم إلا شرط الجزية، أو: الحرب، فقالوا: (إنا إذا أذعنَّا للمسلمين، ودفعنا الجزية، لم نَعْدُ أن نكون عبيدًا، ولَلموتُ خير من هذا) .

فرد عليهم عبادة قائلًا: (إنهم إن دفعوا الجزية كانوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وحُفظت لهم كنائسهم، لا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم) .

فقال المقوقس لمن حوله: (أجيبوني وأطيعوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله ما لكم بهم طاقة، وإن لم تجيبوا إليهم طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين) [1] .

3 -... وجاء سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - حتى نزل (القادسية) [2] ومعه الناس، ولا يزيد المسلمون على سبعة آلاف أو: نحو من ذلك، والمشركون يبلغون ثلاثين ألفًا أو: نحوًا من ذلك، ونبال المسلمين وعُدتهم موضع سخرية أهل فارس، وجعلوا يشبهونها بالمغازل، فيقولون:"دوك، دوك"، ويقولون للمسلمين ضاحكين ومزدرين إياهم: (لا يدي لكم ولا قوة ولا سلاح! ما جاء بكم؟ ارجعوا!) .

(1) -انظر: (الخطط) (1/ 294/245) للمقريزي، و (فتوح مصر) (ص:59/ 63) لابن عبد الحكم، و (عمرو بن العاص بين يدي التاريخ) (ص:158/ 160) ، و (علو الهمة) (ص:83/ 84) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.

(2) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (2/ 84/85) تحقيق: بشار عواد. دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت