4 -لما جاءت شريعة الله إلى اليهود وجدوا فيها ما لا يتفق ورغباتهم فوقفوا منها موقف اللدد والخصومة وأبوا أن ينزلوا على أحكامهم فهددهم الله بالاستئصال، فرفع جبل الطور فوقهم كأنه ظلة وأمرهم أن يأخذوا بأحكام الله التي شرعها الله لهم. فخافوا أشد الخوف وأظهروا الخضوع والإذعان فلما زال الخوف رجعوا إلى ما كانوا عليه من العصيان والاعتداء.
يقول الله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [1] .
5 -أمرهم موسى-عليه السلام-بدخول الأرض المقدسة فوقفوا من هذا الأمر موقف الجبان الرعديد مما جعل موسى يطلب مفارقتهم والبعد عنهم، إذ تأكد لهم أن إصلاحهم بعيد وإن إنشاء أمة جديدة أهون من تربية هؤلاء العبيد وكان قد حرمها الله سبحانه في سورة المائدة: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ - يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ - قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ - قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [2] .
اليهود وعيسى-عليه الصلاة والسلام-:
وتتوالى القرون وتمر السنون والإسرائيليون على ما هم عليه من فساد في العقيدة، وانحطاط في الخلق، واعوجاج في السلوك، وانحراف عن شريعة الله، وبُعد عن تعاليمه، وكان أهم ما يرنيهم هو جمع المال والحرص عليه ولم يقتصر هذا الداء على السواد الأعظم منهم بل تجاوزه إلى علمائهم وأحبارهم الذي دأبوا على أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله بتحريض العامة ودعوتهم إلى تقديم القرابين والنذور للهيكل كي يظفروا بمغفرة الله كما وسطوا الأحبار
(1) -سورة البقرة، رقم الآية: (63/ 64) .
(2) -سورة المائدة، رقم الآية: (20/ 26) .