وبما سبق يتبين: أنه لو كان المقصود من هذه القاعدة أن الأصل في أفعاله عليه الصلاة والسلام هي الوجوب لكان الواقع يخالف ذلك؛ إذا الأصل وأعني بذلك الغالب الكثير هو الاستحباب، فكيف تكون قاعدة في الشريعة المستثنى منها أكثر مما جرى على وفق رسوم القاعدة؛ وهل لهذا نظير، وهل يصح أصلا أن ينطبق عليها مع كل هذه الاستنثاءات أوصاف القاعدة.
10 -مناسبة الحديث: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الجملة بعد دعائه الطويل عند الجمرات، ومعلومٌ أن صورة القصة التي وقع فيها الحديث هي أولى ما يمكن أن يحمل عليه الحديث، فهل قال أحدٌ بوجوب إطالة الدعاء بهذا المقدار؟
أم أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيتم ما صنعت؛ خذوا وتعلموا مني مناسك الحج: أركانه وواجباته، سننه وآدبه، فإن كل ذلك هدي وسنتي.
11 -كيف يمكن القول بأن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج هو الوجوب، مع أنه لا يجب الاقتداء به في أصل النسك الذي اختاره عليه الصلاة والسلام مع سوقه للهدي، كما يقال أيضًا: كيف يمكن القول بوجوب أفعاله من حيث الأصل مع أن الأنساك مختلفة.
قلت:
ومن المسائل التي لم يقل الجمهور فيها بالوجوب، أو كانت مما لم يقل بها أحد، وهي تَرِدُ على مَنْ استدل بعموم هذا الحديث:
1 -وجوب طواف القدوم، وإنما قال بوجوبه الإمام مالك، وقوَّاه ابنُ تيمية في شرح العمدة، وكذا الشوكاني، استنادًا إلى هذه القاعدة.
2 -وجوبُ الرمل في أشواط الطواف الثلاثة في طواف القدوم. ( [3] )
3 -وجوب الاضطباع في طواف القدوم.
4 -وجوب التكبير عند بداية كل شوط.
5 -وجوب الاستلام والتقبيل أو الاستلام أو الإشارة عند بداية كل شوط.