الصفحة 18 من 69

لقد كان النصرُ في غزوةِ الأحزابِ إيذانًا وإعلانًا عن نهايةِ مرحلةٍ، وبدايةِ مرحلةٍ أُخرى في تاريخِ دولةِ الإسلامِ الفتيةِ، والتي لم يمضِ على إقامتها أكثرُ من خمس سنوات.

مرحلةٌ أعلن عنها النبيُّ القائد - صلى الله عليه وسلم - بقوله بعد هزيمة الأحزاب وتشتتِ شملِهِمْ (الآن نغزُوهُمْ ولا يَغْزُونَا) [1] 0

من هنا كان هذا النداءُ الإيمانيُّ موجَّهًا إلى الرعيلِ الأولِ من الذين شهدوا هذه الغزوةَ وعاينوا أهوالها وكابَدُوا مخاطِرَهَا، ثم إلى سائر أمةِ الإسلامِ من جيل التابعين ومن بعدهُمْ إِلى يومِ الدينِ، الذين شاركوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصحابتَه الكرامَ - رضي الله عنهم - في جني ثمار هذا النصرِ المؤزَّر، فنعمةُ النصر على الأحزابِ والنجاةِ من شرورِهِم وكيدِهم: نعمةٌ عامةٌ باقيةٌ، يتعينُ ذكرُها وشكرُها على كلِّ مسلمٍ.

وتأمل معي في قول صاحب اللطائف:"ذكرُ نعمة الله: مُقابَلَتُها بالشكر، ولو تذكرتَ ما دَفَعَ عنك فيما سَلَفَ لهانتْ عليك مقاساةُ البلاءِ في الحال، ولو تذكرتَ ما أولاكَ في الماضي لَقَرُبَتْ من قلبك الثقةُ في إيصال ما تؤمِّلُه في المستقبل ... ومن جملة ما ذكَّرهم به: {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} كم من بلاءٍ صَرَفَه عن العبدِ وهو لم يشعر! وكم من شُغْلٍ كان يقصدُه فصَدَّه ولم يعلم! وكم من أمرٍ عَوَّقَه والعبدُ يَضِجُّ وهو سبحانه"

(1) - ... رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب: غزوة الخندق، وهي الأحزاب. 4/ 1509 حديث 3884، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن سليمان بن صرد 4/ 262 وإسناده صحيح على شرط الشيخين ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده 1/ 182 حديث 1289 والطبراني في المعجم الكبير 7/ 98 حديث 6485.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت