فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 50

وهذا الاختلاف والتنوع مما يدعو إلى العظة والاعتبار، فكذلك الناس يختلفون في ألوانهم وهيئاتهم وأجناسهم وألسنتهم ومشاربهم وطبائعهم اختلافا تتجلى فيه عظمةُ الخالق جلَّ وعلا وعجيب صنعه، وتمام نعمته، ولطائف حكمته، بما يدعو إلى هيبته تعالى وإجلاله. [1]

(1) - وعن الإشارة العلمية في هذه الآية الكريمة: يقول الدكتور كارم غنيم:"ويصنف علماء الجيولوجيا الجبال تبعًا لصخورها الغالبة على تركيبها إلى ثلاثة أقسام رئيسية: هي جبال رسوبية طبقية، وهي المشار إليها في الآية الكريمة بـ"جدد بيض". وجبال قاعدية متبلورة متحولة وهي المشار إليها في الآية الكريمة"وحمر مختلف ألوانها". وجبال بركانية غير متحولة نارية، وهي المشار إليها في الآية الكريمة بـ"غرابيب سود"."

وإذا كان جمهور المفسرين قد ذهبوا إلى أن"جدد"هي الخطط أو الطرق أو الطرائق، فإن من معناها العلمي (الطبقات) ، وهذه إحدى خصائص الجبال الرسوبية، إذ هي جبال تكونت بترسيب طبقات فوق بعضها على مر الزمان، وهي"بيض"لأن اللون الغالب عليها هو الأبيض، وهو ما توصل إليه علماء الجيولوجيا، فالجبال الرسوبية إن لم تكن بيضاء فإن لونها يتحول إلى الأبيض بمرور الزمن، ويذكر المتخصصون من صخور هذه الجبال أنواعًا يغلب عليها اللون الأبيض مع وجود بعض الشوائب، ومن هذه الصخور: دياتوميت، وأوبوكا، وليوسيت، وبوكسيت، وكوارتز، وأميانت، وأورثوكلاس، وأنهاريت، ... إلخ.

أما الجبال الحمراء التي ورد ذكرها في الآية الكريمة بـ"حمر مختلف ألوانها"، فيفسر المتخصصون ألوانها إلى شيوع عنصر الحديد فيها، وهو الذي يتأكسد، فيظهر الصخر بلون أحمر، ويصاحب الحديد معادن فلزية أخرى كالنحاس والرصاص، وتختلف نسب وجودها، وبالتالي فاللون الأحمر ذو درجات، وليس أحمر قانيًا أو محضًا.

أما الجبال النارية (البركانية) غير المتبلورة، فيشيع اللون الأسود الغربيب عليها، ويعتبر البازلت هو الغالب في هذه الجبال، ويؤكد المتخصصون أنها أكثر الصخور القاعدية انتشارًا، وتشكل حمم الهضاب وكذلك الجبال البركانية (النارية) التي غالبًا ما تكون على شكل مخاريط. ويعرف معجم المصطلحات الجغرافية للدكتور"يوسف توني"البازلت بأنه صخر ناري أسود اللون، له عدة أنواع، يتكون بفعل تجمد اللافا (الصهارة) ،وأهم خصائصه أنه غير بلوري الذرات. والجبال النارية ليس لها سوى اللون الأسود، لأنها -بحكم طريقة تكوينها البركاني- لم يتعرض لإضافة أشياء (مخاليط) إليها.

وللماء دور حيوي في تلوين الجبال: لدور الماء في ألوان الصخور، كما أن دوره حيوي في ألوان الثمرات (النباتات) ، فإن له دورًا أيضًا في ألوان الجبال. ويمكن عرض موجز ما توصل المتخصصون إليه في النقاط التالية: تظهر ألوان الصخور (ومن ثم ألوان الجبال) نتيجة لألوان المعادن الموجودة بها، ويتوقف لون المعدن على التركيب الكيميائي له وظروف البيئة التي يتكون فيها، إن كانت مؤكسدة أم غير ذلك. وتتغير ألوان المعادن بامتصاصها لكمية من الطاقة أو الموجات الضوئية، وأشد المعادن تأثرًا بذلك المعادن المحتوية لفلزات انتقالية مثل الحديد والكروم والمنجنيز، وتتغير ألوانها بظاهرة الامتصاص فيما يسمى"نظرية المجال البللوري"ولما كان الماء أكثر السوائل انتشارًا (وخصوصًا السوائل ذات الكثافة المنخفضة) ، وأكثر السوائل مقدرة على الإذابة، وأكثرها مقدرة على النقل، وأفضل العوامل المساعدة في تفاعلات المعادن السيليكاتية في الصهارة (الماجما) ، وأفضل العوامل المساعدة في تحويل الصخور من نارية أو رسوبية إلى متحولة، فإنه يتدخل في تحديد ألوان الصخور بتدخله في عمليات جيولوجية خارجية وعمليات جيولوجية داخلية. أما العمليات الخارجية فتستمد الطاقة اللازمة لحدوثها من الشمس، وأهمها عملية التجوية وعملية الترسيب، ويتدخل الماء في تغيير ألوان معادن كالفلسبار والبيروكسين والهورينلند والميكا، ويتدخل في أكسدة المعادن الحديدية فينتج مثلًا معدن الجوسان من الأكاسيد الحديدية المائية، وهي الأكاسيد التي يحدد محتواها المائي ألوان المعادن الناتجة عنها. كما أن الماء يقوم بدور ضروري في تحويل العديد من المعادن الأولية إلى معادن ثانوية ذات التراكيب الكيميائية والألوان العديدة، مثل المعدن الأولي المسمى يورانينيت ذي اللون الأسود الداكن، الذي يتحد بأيونات وكتيونات عديدة فينتج أكثر من مائة معدن ثانوي ذات ألوان جميلة.

كما تذوب عناصر مثل الحديد والمنجنيز في الماء، ويعاد توزيعها على أسطح الحبيبات والبللورات، ومن ثم تصطبغ هذه الحبيبات والبللورات بألوان حمراء أو بنية أو بنفسجية أو غيرها من الألوان. وتحدث في المناطق غزيرة الأمطار عمليات التجوية الكيميائية حيث يغسل الماء المعادن، فتتبقى منها رواسب مثل الهيروكسيدات والسيليكات المتميهة والكاولين والبوكسيت (الألومنيوم الخام) والحديد والنيكل.

وأما دور الماء في تغيير ألوان الصخور (ومن ثم ألوان الجبال) عن طريق تدخله في عمليات الترسيب، فهو دور واضح جدًّا؛ إذ تتبلور المعادن نتيجة التبخر، فتصطبغ بألوان معينة ويتوقف هذا على محتواها المائي (مثل الإنهيدريت والجيبسوم) ، وتتكون رسوبيات غروية في أثناء فعل عمليات التجوية، وتجري في الماء وتتجدد بأيونات معينة، وكذلك يتكون الكثير من المواد اللاصقة التي تربط فيما بين الحبيبات المنقولة إلى أحواض الترسيب، فتكسب الصخور ألوانًا مميزة، ومن هذه الصخور: الحجر الرملي الحديدي ..

الجبال .. اختلاف في الألوان وثراء في الصنعة!! أ. د. كارم السيد غنيم أستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر موقع إسلام أون لاين أضيف بتاريخ 9/ 11/2000

ويقول الدكتور زغلول النجار:"أثبتت دراسات علم الصخور أن العامل الرئيسي في تصنيف الصخور النارية هو تركيبها الكيميائي والمعدني والذي ينعكس انعكاسا واضحا علي ألوانها , وتقسم الصخور النارية علي أساس من تركيبها الكيميائي والمعدني إلى المجموعات الرئيسية الثلاث التالية:"

(1) صخور حامضية وفوق حامضية وتشمل عائلة الجرانيت التي تتكون أساسا من معادن المرو (الأبيض) والفلسبار البوتاسي (المقارب إلي الحمرة) والبايوتايت (الذي يتراوح بين اللونين الأصفر والبني المائل إلي الحمرة أو العسلي)

(2) صخور متوسطة وتشمل عائلة الدايورايت التي تتكون أساسا من قليل من المرو ومعادن البلاجيوكليز الكلسي والصودي والأمفيبول والتي تتراوح ألوانها بين الأبيض والأحمر والرمادي.

(3) صخور قاعدية وفوق قاعدية وتشمل عائلتي الجابرو والبريدوتايت وتتميز بالألوان الداكنة التي تميل إلي السواد لوفرة معادن كل من الحديد والمغنيسيوم فيها من مثل معادن البيروكسين والأوليفين والبلاجيوكليز الكلسي. ومن ذلك يتضح بجلاء أن الجدد التي تتداخل في صخور الجبال هي في الأصل من الصخور النارية , وأن أفضل تصنيف لتلك الصخور هو التصنيف القائم علي أساس من تركيبها الكيميائي والمعدني والذي ينعكس علي ألوانها علي النحو التالي:

(1) صخور تتراوح ألوانها بين اللونين الأبيض والأحمر وهي الصخور الحامضية وفوق الحامضية وتشمل عائلة الصخور الجرانيتية (الرايولايت ـ الجرانيت) .

(2) صخور تتراوح ألوانها بين اللونين الأبيض والأحمر من جهة والألوان الداكنة من جهة أخري , ولذا يغلب عليها الألوان الرمادية , وهي الصخور الموصوفة بالوسطية (بين الصخور الحامضية وفوق الحامضية من جهة , والصخور القاعدية وفوق القاعدية من جهة أخري) وتضم عائلة الصخور الدايورايتية (الانديزايت ـ ديورايت) , وتقع تحت الوصف القرآني: مختلف ألوانها ..

(3) صخور تميل ألوانها إلي الدكنة حتي السواد وهي الصخور القاعدية وفوق القاعدية , وتشمل عائلتي الجابرو (البازلت ـ الجابرو) والبريدوتايت. وهذا التصنيف لم يصل إليه العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء , وآلاف الساعات من البحث المضني , وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليه في هذه الأية الكريمة بهذه الدقة البالغة التي تجمع الجدد البيضاء والحمراء في جهة , تعبيرا عن الصنف الاول من الصخور النارية (عائلة الجرانيت) , ثم تضيف هذه الإضافة المعجزة مختلف ألوانها لتعبر عن كل مراحل الانتقال في هذه المجموعة الحامضية وفوق الحامضية , ومنها إلي الصخور ذات التركيب الوسطي (مجموعة الصخور الدايوريتية) , وتخص المجموعة القاعدية وفوق القاعدية بهذا الوصف المبهر وغرابيب سود (مجموعة صخور الجابرو والبريدوتايت) ". من أسرار القرآن - الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية (34) .. ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود بقلم: د. زغلول النجار اسم الرابط http://www.geocities.com/zaghloolalnajjar/034.html بتاريخ 28/ 11/1422 هـ 1/ 2/2002 م"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت