وإذا كان (كينز) مدفوعًا إلى دعوة السلطة إلى ضرورة تخفيض معدل الفائدة بإيمانه إن هذا التخفيض هو الذي يشجع على الاستثمار فإنه كان مدفوعا بعامل آخر هو تضايقه الشديد من قيام طبقة غنية تعيش على ملكيتها الأوراق المالية أكثر مما تعيش على الإنتاج، وقد أطلق عليها اسم حملة وثائق الدخل، وقد بشر (كينز) باختفاء حامل وثائق الدخل، أو الرأسمالي بلا مهنة من المجتمع وبصورة تدريجية دون أن يتطلب دلك القيام بثورة وذلك حين يميل معدل الفائدة إلى الانخفاض حتى يصل الصفر واعتقد أن اختفاء هذه الطبقة سيجر إلى الكثير من التبدلات الجذرية الأخرى في هذا النظام لأنه باختفاء حامل وثائق الدخل إنما تختفي معه تدريجيًا القدرة القهرية لدى الرأسمالي على أن يستثمر بصورة تبعية القيمة التي تمنحها القدرة للرأسمال ذلك أن الفائدة (( لا تكافئ اليوم أي تضحية حقيقية، كذلك ريع الأرض، ففي وسع مقتني الأرض، لأن الأرض نادرة ولكن حين تفسر ندرة الأرض بعلة ذاتية فإنه ليس هناك أي سبب ذاتي يبرر ندرة الرأسمال أي: لا توجد أي تضحية حقيقية يمكن للمكافأة المقدمة بشكل فائدة أن تدفع على ميولها ) )وهكذا يكون (كينز) ومن خلال تعليقه السابق قد رجع إلى ذات المبدأ الذي نادى به (أرسطو) في خصوص الفائدة فهو يرى أن الرأسمال في حد ذاته غير منتج (1) ورأى أن العمل بما فيه الخدمات الشخصية التي يسديها المنظم ومساعدوه هي عنصر الإنتاج الوحيد وهذا الأمر هو الذي يفسر اعتبار وحدة العمل هي الوحدة ألميتافيزيقية الوحيدة اللازمة في مذهب (كينز) دونما حاجة إلى وحدتي - العملة والزمن - وهكذا يكون قد حبذ قيام مجتمع يعتمد فيه الأفراد على ما ينتجون من سلع وخدمات في حياتهم أكثر من أولئك الذين يمتصون قوة الناس ويحتكرون الثروات ويكتنزون الأموال.
وفي نهاية المطاف يلخص (كينز) نتيجة مفادها أن إسناد بعض السلطات الإدارية التي كانت متروكة للمبادرة الخاصة إلى مؤسسات مركزية أمر لابد منه ذلك لأن الدولة في مركز يسمح لها بأن تأمر البنك المركزي بالقيام بعمليات السوق المفتوحة، وبشراء أوراق مالية، وبتخفيض سعر الفائدة وستؤدي هذه الإجراءات إلى جعل تمويل الاستثمار أرخص مما كان، وقد يصبح من اللازم على الدولة حينما يكف المنظمون عن القيام باستثمارات جديدة أن تقوم هي نفسها ببرنامج استثمار حكومي، ومع ذلك فإن (كينز) لا يرى أي (( سبب واضح يبرر تبني اشتراكية دولة تشتمل على القسم الأكبر من وسائل الإنتاج وإذا تمكنت من تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة هذه الوسائل، والمعدل الأصلي للمكافحة الممنوحة لمقتنيها فإنها تكون قد قامت بكل ما هو ضروري ) )ومع ذلك فإن (كينز) لا يمنع من تطبيق تدابير اشتراكية شريطة أن لا يهدم ذلك التقاليد العامة للمجتمع، وتأسيسًا على هذا فإن وجود مؤسسات توجيهية مركزية لازمة لتأمين الاستخدام التام يؤدي بالضرورة إلى توسيع تلك الوظائف التي تقوم بها الدولة.
ومن خلال العرض السابق يتضح لنا أن (كينز) قد استطاع وببراعة أن يهدم القواعد الأساسية الاقتصادية للنظام الحر وبصورة أرغمت ألد خصومه بالاعتراف له بالفضل، وتركت تأثيرها على المفكرين الاشتراكيين والتقدميين من كل الاتجاهات باستثناء الاتجاه الوحيد الذي لم تؤثر فيه هذه الأفكار وهم الاشتراكيون الماركسيون لأنهم قد أقاموا قطيعة واسعة بين ما يعتقدون، وبين كامل الفكر المعارض، ومن هنا اعتبر كتاب الاقتصاد الماركسي النظرية الكينزية مثابة انعطاف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يرى (كينز) أنه بدلا من ان نقول عن رأس المال أنه منتج من الأفضل أن نقول إنه يقدم خلال وجوده دخلا أعلى من كلفته الأصلية الذي من اجله نستطيع أن ننتظر من الرأسمال أن يسدي خلال وجوده خدمات إجمالية تقود قيمتها الإجمالية سعر عرضه الأصلي هو أنه نادر، وهو نادر لأن معدل الفائدة المرتبطة بالعملة يسمح لهذه بان تنافسه، ومن هنا يبدو فضل مبدأ ما قبل الكلاسيكي والقائل بأن العمل هو الذي ينتج كل شيء بمساعدة الصناعة.