الصفحة 6 من 44

هذه قراءة أخرى لنفس النص، تحمل أبعادا دينية مهمة، وتعيد للنص الأول كثيرا من معانيه التي فقدها بسبب الروح العنصرية البغيضة؛ فإبراهيم ليس طالب دنيا، ولا همه الدنيا دون الآخرة، ولا رغبته في الاستيلاء على أراضي الناس وطردهم منها وإسكان ذريته مكانهم، وفي هذا النص نجد حديثا مهما عن الدين والآخرة، فإبراهيم نبي وليس منجما، وهو يرجو أن ينال نصيبا في الدنيا ونصيبا في الآخرة، وذريته التي ستسخط الله أو تغضبه لا حاجة له بها، وهمه كيف تحفظ ذريته نفسها في مستقبل أيامها في الدنيا والآخرة، وكيف تعتني بنفسها وتنجو من تسلط الغرباء ومن عذاب جهنم الذي خصص للآثمين؛ وأما الذبائح التي قدمها إبراهيم، ففي القراءة الأولى فهي آية على استيلاء بني إسرائيل على أراضي الشعوب التي يعيشون بينها، والمعجزة فيها أن عمودا من الدخان والنار مر بين القطع؛ وفي القراءة الثانية فهي آية على كيفية حفظ بني إسرائيل لنفسها من الانحراف عن دراسة التوراة وخدمة المعبد، والنجاة من تسلط الغرباء ونار جهنم، وفي هذه القراءة تعاد للحيوانات المقطعة الحياة وتحلق الطيور في السماء فتدل على ما ينبغي أن تدل عليه؛ وإن مزيدا من المدارسة المتدبرة بين القراءتين لتكشف لنا عن جوانب كثيرة جدا في موضوع اليوم الآخر عند اليهود.

وأنتقل إلى قراءة ثالثة لنفس القصة، هذه المرة من القرآن الكريم، حيث يتلوها علينا تلاوة جديدة، تحاول أن تُجرّد القصة من الملابسات التاريخية التي لحقت بها سواء في القراءة الأولى أو القراءة الثانية أو غيرها من القراءات. وتقدّم لنا من خلالها اقتراحا مهما يحتاج منا لشيء من التدبر والمدارسة.

نعم لقد كان هناك حوار بين الله وربه، ولكن ليس في شأن النسل ولا الأرض ولا الوعد بالأرض، وإنما في أمر أهم من ذلك بكثير، إنه أمر إحياء الموتى؛ فإبراهيم صاحب الرشد كثير الأسئلة في موضوع الاعتقاد، كانت له مشاكل كثيرة مع أبيه وقومه وملكه أدت به إلى أن كاد يفقد حياته في النار لولا أن الله نجاه منها؛ فالحياة بعد الموت لغز محير، وهو يريد معرفة بعض أسراره، ولذلك سأل ربه: رب أرني كيف تحيي الموتى؟، فهو لا يريد الخبر فقط، وإنما يريد أن يرى كذلك، فكان الردّ الإلهي عن سبب هذا السؤال: هل بسبب عدم الإيمان؟ أو النقص في الإيمان أم ماذا؟ فكان الجواب الإبراهيمي أنه الرغبة في الزيادة في الإيمان والاطمئنان: قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي؛ وهنا يأتي الجواب الإلهي دعوة إلى العمل التجريبي في أبسط مفرداته، خذ أربعة من الطير، فصرهن إليك، واجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ياتينك سعيا، واعلم أن الله عزيزحكيم، وحتى يقوم بهذه العمليات على بساطتها، فعليه أن يصعد إلى جبال متعددة ليجعل على كل واحد منها جزءا من الطير، يصعد وينزل واحدا بعد واحد، حتى يوزع كل الأجزاء، ثم يأتي ليدعوها فتأتيه سعيا إليه بإذن الله، وهي تجربة مهمة تجعل إبراهيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت