فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 66

3 ـ أن يأتي إليه جبريل عليه السلام فينزل عليه بالوحي خفية دون رؤيته, ولكن يظهر أثر الوحي, والتغير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فيغطُّ غطيط النائم, ويثقل جسده ثقلًا شديدًا, ويتصبب عرقًا في جبينه في اليوم الشديد البرد, ويكون وقعه عليه كصلصلة الجرس, ويسمع الحاضرون عند وجهه كدوي النحل دون أن يفهموا منه شيئًا, أمَّا هو فيفهمه, ويعي ما يوحي إليه به الملك وبمجرد ما ينفصم عنه يجد ما أوحي إليه في قلبه، كما قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} وهو يدرك يقينًا أنه وحي من الله سبحانه من غير لبس.

والقرآن كله نزل على هذه الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته, ولم يثبت ـ والله أعلم ـ أن جبريل عليه السلام أتاه بشيء من القرآن وهو على صورة بشر, وكل ما جاء من ذلك فهو من وحي السنة, وليس من وحي القرآن الكريم. ولعل في ذلك حكمة عظيمة , إذ أنه لو نزل شيء من القرآن في حالة تصور جبريل - عليه السلام - على هيئة بشر لكان في هذا مدخل للشك والتدليس , ولوجد المشركون سندًا لزعمهم في قولهم الذي حكاه القرآن: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ (( (( (( (( مُبِينٌ} وقد نص القرآن الكريم على ذلك في قوله تعالى:

{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}

وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}

فقد نصت هاتان الآيتان على أن الوحي بالقرآن الكريم كان بواسطة جبريل ـ أي وليس بأي صورة أخرى من صور الوحي ـ أما وجه الاستدلال بهما على أن جبريل كان ينزل بصورته الملائكية فهو أنهما نصّتا كذلك على أن مناط هذا النزول أو محله هو قلب النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت