الصفحة 5 من 16

النزاع، وفي جميع أبواب الدّين فإنّ لفظة"ما"من صيغ العموم، ولم يقتصرعلى هذا حتى ضمّ إليه انشراح صدورهم بحكمه، بحيث *لا يجدون في صدورهم حرجا ً*وهو الضّيق والحصر من حُكمه، بل يقبلون حُكمه بالانشراح، ويأخذونه بالقبول، .... ثمّ لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضمّ إليه قوله:* ويُسلموا تسليما ً*فذكر الفعل مؤكدا ً له بالمصدر القائم مقام ذكره مرّتين، وهوالخضوع والانقياد لما حكم به طوعا ًورضىً وتسليما ً، لا قهرا ً أو مصابرة، كما يسلم المقهور إلى من قهره كرها ً، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيّده الذي هو أحبّ شيء إليه، يعلم أنّ سعادته وفلاحه في تسليماته.) ا. هـ.

وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعُمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يُضلّهم ضلالا ًبعيدًا} [النساء:60] ، فال ابن كثير: (هذا إنكار من الله عزّوجلّ على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله. كما ذكر في سب نزول هذه الآية أنّها نزلت في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمّد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل نزلت في جماعة من المنافقين ممّن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حُكّام الجاهليّة. وقيل غير ذلك، والآية أعمّ من ذلك كله، فإنّها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطّاغوت ههنا, وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: {إنّما كان قولَ المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المُفلحون.} [النور:51] فالتحاكم إلى غير شريعة الرّحمن ذلٌّ وهوان ونفاق، {وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكمَ بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرضون، وإن يكن لهم الحقّ يأتوا إليه مُذعنين.} [النور:48ـ49] ، يقول ابن القيّم:(هذا دليلٌ على أنّ من دُعيَ إلى تحكيم الكتاب والسنة فلم يقبل وأبى ذلك، أنّه من المُنافقين.) ا. هـ. فإن يكن لهم الحق يُذعنون ويخضعون لشرع الله، وإن لم يكن لهم أي حق أعرضوا ونأوا عن حكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام إلى حُكم يوافق أهواءهم ورغباتهم وشهواتهم، انظر كيف تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه. ثمّ يأتي عليهم الرّدّ منه سبحانه فيقول: {أفي قلوبهم مرضٌ أم ِ ارتابوا أم يخافون أن يحيفَ اللهُ عليهم ورسولُه بل أولئك هم الظالمون.} [النور:50] ، يقول ابن كثير: (لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرضٌ لازم لها أو قد عرض لها شكّ في الدّين أويخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحُكم، وأيَّا ً كان فهو كُفرٌ محض، والله عليم بكلّ منهم وما هو مُنطو ٍعليه من هذه الصّفات، وختم الآية* بأنّهم هم الظالمون*أي بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله ُمبرّآن ممّا يظنّون ويُتّهمون به من الحيف(الميل عن الحق) والجور؛ تعالى الله ورسوله عن ذلك.) ا. هـ.

وجوب التحكيم مع انعدام إمام المسلمين وقضاته

وهو إذا لم يكن للمسلمين إمام يحكمهم ولاقضاء شرعي يتحاكمون إليه، وهذا هو حال أغلب المسلمين اليوم، فلا أقول يجوز لهم، بل أقول يجب عليهم أن يرجعوا إلى من يصلح للقضاء الشرعي منهم ليحكم بينهم بشرع الله، فإن لم يجدوا مؤهلا ً للقضاء اختاروا الأمثل فالأمثل، ويحرم عليهم التحاكم إلى القوانين الوضعية الكفرية.

والدليل على صحة هذا ما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت