وتقرر الآية الأخيرة أن هؤلاء الذين يتحاكمون إلى شريعة الله ، ويطيعون الله ويخشونه هم الفائزون حقا .
من ذلك يتبين لنا بوضوح أن المحك الحقيقي للإيمان هو التحاكم إلى شريعة الله . وأن الناس إن قالوا بألسنتهم: لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، وإن أدُّوا جزءًا من العبادة المفروضة ثم رفضوا الالتزام ببقيتها فما هم بمؤمنين .
ويتبين لنا كذلك أن العبودية لله وحده - وهي مفهوم الإقرار بالشهادة - لا تتحقق في عالم الواقع حتى يُعْبَد الله عبادة شاملة ، تشمل أصول الاعتقاد ، وشعائر التعبد ، والتحاكم إلى شريعة الله ، وتطبيق منهج الله في كل مجال من مجالات الحياة . وأن التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله لون من الشرك لا يختلف عن شرك العبادة بحال من الأحوال . يقول الله حكاية عن المشركين أنهم يقولون: ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) [ النحل: 35 ] .
والسياق يندّد بهم لأنهم يدّعون أن هذا الشرك الذي يمارسونه هو بأمر الله ومشئيته ، مع أن الله أرسل إليهم الرسل يَنْهَوْنَهُم عن الشرك . ولكن المهمّ في الآية أن المشركين يحددون شركهم في أمرين: ( مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) ، ( وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) . فالتحليل والتحريم بغير إذن من الله كعبادة الأصنام والأوثان سواء بسواء .
والإسلام ليس مجرد عقيدة وجدانية منعزلة عن واقع الحياة ، وليس هناك دين منزل من عند الله هو عقيدة فقط بغير شريعة تحكم الحياة . إنما البشر هم الذين يصنعون ذلك من عند أنفسهم فيشركون ! ولنرجع إلى القرآن لنرى حقيقة هذا الأمر:
( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ