ب ـ وقال القاضي عياض في كتابه الشفاء في آخر الكتاب في فصل بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر قال:
1 ـ فأما من نفى صفة من صفات الله الذاتية أو جحدها مستبصرا في ذلك (أي معاندا) كقوله ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفي عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه.
2 ـ وأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكي ذلك عن أبي جعفر الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة، وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان واليه رجع الأشعري.
3 ـ وأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال الله عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدي إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم.
ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا القول قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن قولنا لا يؤل إليه على ما أصلناه، فعل هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
والصواب ترك إكفارهم ولإعراض عن الختم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحتهم ودياتهم والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال فما زاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا، لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك والله الموفق للصواب.
قال القاضي أبو بكر وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل بالله تعالى، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها اهـ بحروفه.
ج ـ وهو اختيار ابن تيمية كما في الفتاوى والرد على البكري ومنهاج السنة، قال ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية: الفروع 6/ 488 واختار شيخنا لا يفسق أحد (أي بالتأويل) وقاله القاضي في شرح الخرقي في المقلد كالفروع لأن التفرقة بينهما ليست من أئمة الإسلام ولا تصح وإن نهى الإمام أحمد عن الأخذ عنهم لعله الهجر وهي تختلف اهـ. وهو اختيار أئمة الدعوة.
د ـ قال الشوكاني في نيل الأوطار في باب قتال الخوارج وأهل البغي: وقد اختلف أهل العلم في تكفير الخوارج:
فقد صرح بالكفر القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال الصحيح أنهم كفار لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (يمرقون من الدين) ولقوله لأقتلنهم قتل عاد ... وفي لفظ ثمود وكل منهما إنما هلك بالكفر، ولقوله (هم شر الخلق) ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله (إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى) ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم.