ولنعد مرة أخرى لذكر معنى العبادة حسب تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) ، لنقول إن العبادة صلاة وصيام وحج وزكاة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وجهاد وتضحية وقراءة وتسبيح وإمارة وقضاء وإدارة وتدريس وسفر ونوم وقيام، وبيع وشراء وأكل وشرب، وكل حركة يتحركها العبد أو سكنة يسكنها؛ عبادة لله، ما دامت مشروعة أو مباحة، وقصد بها وجه الله، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
سؤالان وجوابها
السؤال الأول إذا كانت العبادة - كما ذكر - شاملة لكل حياة المسلم، فلماذا عطف عليها غيرها من أوامر الدين ونواهيه، كقوله تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ... الآية} ، ولو كانت هذه الأمور من العبادة لما كانت هناك حاجة إلى عطفها عليها؟
الجواب أن هذا من عطف الخاص على العام وذكره للاهتمام به، لا لأنه مغاير للمعطوف عليه، وهذا مألوف في اللغة العربية، وهو في القرآن كثير.
السؤال الثاني إذا كان الدين كله عبادة، فلماذا قسم الفقهاء الأحكام إلى عبادات ومعاملات؟
ولهذا السؤال جوابان
الجواب الأول أن تقسيم الفقهاء اصطلاح منهم، قصد به تسهيل الأبواب الفقهية لطالب العلم، ولم يقصدوا بها أن الأحكام الأخرى التي تسمى المعاملات ليست عبادة، بدليل أن تلك المعاملات يدخلها الثواب والعقاب، لأن فيها الواجب والمندوب وفيها الحرام والمكروه والمباح.
الجواب الثاني أنهم قصدوا من هذا التقسيم بيان أحكام الشرع على كل نوع.
النوع الأول؛ يضم الصور والكيفيات المحددة التي ليس للعبد فيها إلا التلقي من الله ثم التنفيذ، وهذه هي الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والذكر، فالله هو الذي ينشئ هذا النوع وليس لغيره أن يخترع شيئًا من عنده ويدعو الناس إلى التعبد به.
النوع الثاني؛ يشمل الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض في حياتهم، وهذه العلاقات موجودة قبل أن يأتي الشرع، فالشرع لم ينشئها وإنما أقر الصالح منها ونهى عن الفاسد، وبناء على ذلك قررت القاعدة المعروفة الأصل في العبادات الحظر، و الأصل في المعاملات الإباحة - راجع في تعريف العبادة وشمولها رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية العبودية [ ... ] -